إمبراطور الصين الأول ” تشين شي هوانج  ” صاحب الجيش الطينى الأسطوري !!

27651007_10155563917532669_2079704099_o

 

 

 

 

كانت الصين قبل هذا الإمبراطور ممزقة، وكان أمراؤها يتصارعون ويتقاتلون. وعاشت في مقاطعات تحت ظروف حربية مهلكة. إلا أن إحدى الولايات واسمها (تشين) اعتنقت فلسفة ترى انه من الضروري أن يكون للإنسان وللدولة أيضاً مبادئ قوية وملزمة، وبفضل هذا المبدأ أصبحت هذه الولاية أقوى الولايات الصينية. وأستطاع “تشين” أن ينصب نفسه ملكاً على الصين كلها و أطلق على نفسه “تشي هانج تي” أي إمبراطور الصين العظيم

ولد الأمير تشين في عام 259 قبل الميلاد ، وكان والده ملكا لدولة تشين ، وفي الوقت الذي ولد فيه، انقسمت الصين إلى سبع ولايات خاضت حروباً مع بعضها البعض طوال الوقت. المؤرخون يدعون هذه الفترة في التاريخ الصيني بفترة الدول المتحاربة

 تشين شي هوانج  نشأ كأمير، تلقى تعليماً جيداً عن تاريخ بلاده وعن فنون القتال وأستراتيجيات الحرب , توفى والده وهو بعمر 13 عام فقط ما جعله يتولى الحكم وهو بعمر صغير جداً ، حكم البلاد في سنوات حكمه الأولى بمساعدة وصى العرش , وحين بلغ 22 عام تولى زمام الأمور بنفسه دون تدخل من أحد , وكان طموحاً للغاية , أراد أن يغزو الولايات الصينية الأخرى ويوحد الصين تحت راية واحدة يحكمها حاكم واحد

 

Related image

 

بالفعل حقق مراده بغزو أول ولاية وهى ولاية “هان” وبعدها غزا ولاية “تشاو” ثم ولاية “وى” وبعدها عد العدة لمواجهة الولاية الأقوى وهى ولاية “تشو ” , والتى بسقوطها خضعت الولايتان الباقيتان بسهولة وأصبحت الصين كلها دولة واحدة , ثم نصب نفسه حاكماً عليها.

بسرعة شديدة أدخل تشي تعديلات جهرية لما يجب أن تكون علي باقي الولايات من وحدة واستقرار و انضباط، وقام بتقسيم دولته إلى 36 ولاية جعل لكل منها حاكماً مدنياً وجعل لها جيشاً وعين لكل جيش قائد , ثم جعل هذه المناصب بالتعيين وليست وراثية، إضافة إلى ذلك عين قائداً أو مستشاراً ليوازن بين الحاكم المدني والحاكم العسكري حتى لا يتفرد أحد بالسلطة  , كما أصدر بعد ذلك قراراً بنقل الأغنياء والطبقة الأرستقراطية إلى العاصمة ليكونوا تحت رقابته الشديدة  , وربط المدن والعواصم بطرق واسعة طويلة وأعلن بوضوح أنه مالم تكن الدولة مرتبطة ببعضها البعض فلن يكون سهلاً على الحاكم أن يسيطر عليها

 

 

كما شملت أعماله توحيد الموازين والمقاييس وأشكال الحروف، لتكون وحدة الصين متماسكة ومنضبطة في كل مناحي الحياة , ورغم كل ذلك إلا انه أرتكب أحد أكبر حماقات التاريخ، عندما  احرق كل الكتب في عصره ولم يستبق إلا بعض الكتب عن الزراعة والصناعة، ويقال أنه احتفظ بنسخة من كل كتاب أحرقه وأودعها مكتبة القصر، ولكن لا يوجد أي دليل مؤكد على ذلك. فقد أراد بهذا العمل الاحمق أن يقضي على” كونفوشيوس ” وكل تعاليمه الأخلاقية , كما  أراد ان يبدأ التاريخ بحكمه وسلالته. كما قتل العلماء الذين لم يحرقوا كتبهم , وتم إعدام عشرات المفكرين حرقاً ممن لم تتفق فلسفتهم مع مشروع توحيد الصين. فالازدهار والتوسع جاءا على شكل تعسف وقتل ومحو لكل ما يقف في طريق ذلك. فبالرغم من كون تشين زعيم مخضرم وقائد ماهر , إلا أنه كان طاغية فقد حظر جميع الاديان وطلب من مواطنيه أن يكونوا مخلصين ومطيعين فقط للحكومة التى تتمثل في شخصه .

أما سياسته الخارجية فكانت هي الأخرى عنيفة، فقد كان على علاقة متينة بجيرانه، كما أن جيوشه لم تتوقف عن غزو البلاد الأخرى الواقعة في الشمال وضمها إلى الصين، كما أنه ربط الأسوار الواقعة على حدود الصين بعضها ببعض، فكان سور الصين العظيم، الذي ما يزال قائماً حتى اليوم , والذي يمتد أكثر من 5000 كيلومتر شمال الصين , حيث نظم أكثر من 300 ألف شخص لمدة بضعة عشر عاما. فقد تسارع تحت إشرافه إتمام بناء سور الصين العظيم، الذي كان هدفه الأول إستراتيجياً عسكرياً، وربما كذلك رمزياً للتأكيد على قوة الصين ووحدتها الوليدة

وبسبب هذه الحروب الكبيرة فقد فرض ضرائب كبيرة على الناس، فكرهه الناس، ولكن كان من الصعب إسقاطه، لذلك حاول الشعب اغتياله. ولم يفلح أحد في ذلك.اختلف المؤرخون حول الإمبراطور الأول للصين , فالشيوعيون يرون فيه حاكما تقدمياً. ويقارنه الغرب بنابليون، ولكن من المؤكد أن هذا الإمبراطور حقق من الوحدة والاستمرار والانضباط  في الصين لأول مرة في التاريخ ، ولم يفلح أحد بعد ذلك في تغيير هذا الاستمرار والوحدة التي سادت الصين حتى اليوم

هذا الإمبراطور كان كغيره من أباطرة وشعب الصين , يفكر في اساطير الحياة بعد الموت والبعث من جديد وإمتلاك القوة , ولهذا أمر ببناء جيش ليتم دفنه معه عندما يموت , بهدف ان يستمر في منصبه حتى بعد موته، وأمر حينها بأن لا يكون هناك جنديين مُتشابهين في هذا الجيش بأكمله، وهذا ما تم بالفعل ببراعة مثيرة للدهشة , فكان لكل تمثال وجه مختلف , وقد تم اكتشاف هذا الجيش عام 1974 في حدث مذهل أذهل العالم خصوصا علماء الآثار, حيث    عثر عمال كانوا يحفرون بئرًا بالقرب من مدينه شيان بالصين  على  اعظم اكتشاف اثري في العالم وهو جندي من الصلصال بالحجم الطبيعي متأهب لخوض معركه وما كان من رجال الحفر الا ان ابلغوا السلطات الصينيه التي ارسلت بدورها علماء اثار من جهات حكوميه الي الموقع. ولكنهم لم يعثروا علي جندي واحد فقط بل عثروا علي الاف , بل جيش كامل من 8000 مقاتل، و520 حصاناً، مصنوعة من الطين المجفف , وحولهم منحوتات لراقصين وبهلوانيين وموسيقيين.

 

 

وقد تبين بعد تدقيق طويل في بحث فريق عمل الآثار المختص بتنقيبه، بأن تفاصيل الوجوه لكل منها مختلفة بعضها عن بعض في تسريحة الشعر، وملامج الوجه، وشكل الشوارب واللحية والحواجب، ثم في اللباس بأدق تفاصيله , وقدر الباحثون استناداً لتحليل التواريخ والتواقيع المنقوشة على الأسلحة الحربية، عدد العاملين بما يزيد على 700 ألف عامل , كما تم تخمين هويات بعضهم من مقبرة جماعية، اكتشفت على بعد أمتار من هذا الضريح الهائل، وتبين أيضاً سبب تسخير هذا العدد من العمال، فقسم منهم كان مديوناً للحكومة، وكانت خدمته في بناء الجيش الحجري تعويضاً عن الأموال التي لم يقدر على تسديدها  , وبالرغم من جمال وروعة وعظمة الأبداع الذى تجسد فى هذا الضريح المذهل ألا أن كل قطعة فيه  تشير الى تواريخ الأفراد الذين نحتوها ودفنوا قربها تجسد الأستبداد والظلم والعبودية  وقد أدرجت مقبرة الإمبراطور الأول تشين هوانج في قائمة ” التراث العالمي ” بوصفها المشروع الحضاري القديم الأول في الصين ولقبت  بـ “الأعجوبة الثامنة في العالم”.

 

 

توفي تشين شي هوانج أثناء سفره في جولة في شرق الصين في 210 قبل الميلاد. وكان ابنه الثاني هوهاي Huhai بصحبته , وقد أراد أن يصبح إمبراطوراً خلفاً لوالده ، لذلك أخفى خبر  وفاة والده وزور رسالة من والده إلى أخيه الأكبر يأمره فيها  بالانتحار. وبعد أن قتل شقيقه الأكبر نفسه تنفيذاً لأوامر والده أصبح هوهاي إمبراطوراً , ولكنه لم يبق في موقعه سوى أربعة سنوات انتهت باغتياله، وبوفاة ابنه انهارت إمبراطورية الصين , فقصة الإمبراطور الأول، شينغ (كين) شي هوانج، كالآثار التي تركها، كانت استثنائية في كل تفاصيلها.

 

 

Comments

comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares