الإيراني الذى فاز بالأوسكار وغاب عن حفله – المخرج الذى إحترف الأفلات المستمر من الرقابة !

30712954_10155758122377669_837883213903822848_n

 

 

 

إيران، ذلك الجزء المجهول من الشرق الأوسط الذي لا نسمع عنه إلا في نشرات الأخبار وفي كتب التاريخ ، ولكنه رغم ذلك نجح في اقتحام المحافل العالمية لفن صناعة السينما , والعالم العربي لم تعرف الدراما الإيرانية إلا في بدايات عام 2011 حين اتجهت أنظار المشاهدين العرب إلى الدراما الإيرانية ربما لكسر الملل وتجريب مشاهدة شيء جديد، وربما لما لاقوه من براعة في الإخراج والتمثيل التي لم يتخيلوا أن يجدوها في بلد لا نعرف عنها شيئًا غير أخباره العسكرية والسياسية واليوم نقترب معاً من احد اكبر رموز الابداع السينمائي الإيراني الذى ابهر العالم , انه المخرج وكاتب السيناريو المبدع “اصغر فرهادى” ، الذى يعتبر هو واحداً من أهم رموز السينما المستقلة في إيران , والذى تحدي قيود هذه المجتمع الأصولي الصعب ليخرج بمجموعة من الروائع السينمائية التي ابهرت العالم .

ولد أصغر فرهدي فى 7 مايو 1972 في مدينة أصفهان إحدى مدن إيران، أبدى اهتمامه بالسينما في سنوات مراهقته. وحصل على البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة طهران ثم الماجستير في نفس التخصص بدأ ممارسة العمل السينمائي سنة 1986 بجمعية الشباب السينمائية في اصفهان، ومن 1986 حتى 2002 قام بعمل ست أفلام قصيرة ومسلسلان للتلفيزيون الوطني الإيرانى. وعمله لم يقتصر فقط على الإخراج وإنما تعمق على مستوى التأليف فأغلب أعماله التي توالت بعد ذلك كانت من تأليفه أما عام 2002 بعد أول بروز سينمائي له من خلال كتابة سيناريو فيلم “ارتفاع البريد” (بالفارسية: ارتفاع بست) من إخراج إبراهيم حاتمي , والذي يعد أحد قامات السينما الإيرانية في تسعينيات القرن الماضي , ويتناول الفيلم فكرة تباعيات اضطهاد العرب بعد حادثة 11/9 التي شهدها العالم أجمع

توالت أعماله بعد ذلك، ففى عام 2003 أخرج أول فيلم روائي طويل له وهو “الرقص مع الغبار” , يبدو أن أول أفلام «فرهادي»، كان مختلفًا في الشكل والأسلوب عن كل ما أخرجه بعد ذلك؛ فهي المرة الوحيدة التي تدور أغلب أحداث فيلمه خارجيًّا، وفي الصحراء تحديدًا، فاعتمد على اللقطات الواسعة ومساحات من الصمت، لأن ساعة كاملة من زمن الفيلم تمضي مع اثنين من الممثلين فقط. وقد شارك هذا الفيلم في مهرجان الفجر وكذلك مهرجان موسكو لنفس العام

عام 2004 قدم  فرهادي فيلمه الثاني «مدينة جميلة » (Beautiful City)، الذي أخرجه عام 2004، ويصقل فيه أسلوبه على مستوى الشكل والسرد بصورة أكبر، ويتحدث عن شاب يصدر ضده حكم بالإعدام وهو لايزال في السادسة عشر من عمره. حصل الفيلم على العديد من الجوائز سواء من مهرجان الفجر السينمائي أو من مهرجان وارسو السينمائي الدولي. أما عن فيلمه الثالث الذي ظهر للنور عام 2006 وهو فيلم “الإربعاء الأخير” والذي يسرد فترة من حياة سيدة سترسل من قبل شركة تنظيف لأحد المنازل وتفاجئ بالزوجة التي تشك في أخلاص زوجها لهذا تلصق لها مهمة تتبع العشيقة. وقد حصل الفيلم على جائزة هوجو الذهبية لمهرجان شيكاجو السينمائي الدولي

بعد ذلك بثلاث سنوات وتحديداً عام 2009 صدر له فيلم بعنوان  “عن إيلى ” والذي قال عنه الناقد السينمائي ” ديفيد بوردويل” أنه تحفة فنية. وحصل الفيلم على العديد من الجوائز منها جائزة الدب الفضى لأحسن مخرج في مهرجان برلين الدولي 59، كذلك احسن فيلم في مهرجان تريبيكا السينمائي، إيضا ترشح لجائزة الأوسكار داخل فئة الأفلام غير الناطقة بالأنجليزية .

 

Image result for ‫اصغر فرهادى‬‎

 

أخرج «أصغر فرهادي» بعدها بعامين فقط ذروته الثانية؛ وفيلمه الأهم والأكثر تقديرًا «انفصال »(A Separation) . فى البداية ظن أصغر فرهادى وهو يصنع الفيلم أن أحدًا لن يفهمه خارج إيران، وأن الحكاية العائلية البسيطة التي تشبه خلافات الجيران ومشاكلهم اليومية سيكون استقبالها فاترًا في أوروبا ، لذلك كان «فرهادي» نفسه أكثر المندهشين حين عُرض الفيلم في مهرجان برلين السينمائي ونال استقبالًا حافلًا، توَّج بالحصول على الدب الذهبي كأول فيلم إيراني يفوز بالجائزة إلى جانب دُبَّين فضيين لأفضل ممثل وممثلة، وهو الفيلم الوحيد في تاريخ المهرجان الذي حصد جوائز ثلاثة دببة ,  كما حصد الفيلم عدة جوائز  من مهرجانات متعددة منها جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية لعام 2012 في إنجاز تاريخي غير مسبوق للسينما الإيرانية , حيث عرف العالم اسم «فرهادي» والسينما الشرقية لم يرها العالم بهذا الشكل من قبل.

يقول فرهادى عن اسلوبه  الذى يتبعه في معظم أعماله ” المآسي الكلاسيكية تعتمد على حرب بين خير وشر، وموقفنا يكون واضحًا بينهما: نريد أن ينتصر الخير وينهزم الشر. ولكن المأساة الحقيقية، كما يحدث في الحياة، حين تكون المعركة بين خير وخير، لا يصبح مهمًّا حينها من يفوز.. ستنكسر قلوبنا في جميع الأحوال

توقف فرهدي بعدها قليلًا، قبل أن يعود في فيلمه السابع، «البائع» عام 2016، حيث عاد إلى إيران وعالمها الذي يعرفه، والذي تتجلى فيه تمامًا وحدة مشروعه عن مآسي الحياة الحقيقة وقلوبنا التي ستتحطم أيًّا كان المنتصر , وفي فبراير 2017 فاز بثاني جائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي عن فيلم “البائع”، ولكن أصغر فرهادي قد تغيب عن الحفل احتجاجاً على قرار دونالد ترامب بشأن حظر السفر الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رعايا 7 دول شرق أوسطية من بينهم إيران.

 

 

يقول فرهادى عن أعماله». لا أسعى لتقديم إجابات للمشاهِد. لو قدمت له إجابة سينتهي الفيلم في صالة السينما، لكن لو تركت بعض الأسئلة، فالفيلم سيبدأ في الحقيقة بعد أن يشاهده الناس؛ يبقى بداخلهم».

إتسم أسلوبه بالبساطة والغموض، بتقنيات وموازنات شحيحة، وبرغم ضغوط الرقابة، نجح  فرهادى مثله مثل العديد من المخرجين الإيرانيين باختلاف آرائهم السياسية، بين مؤيد ومعارض ومستقل، في دفع السينما الإيرانية إلى الظهور والإبهار , فلم يغِب منذ التسعينيات، فيلم إيراني عن المهرجانات الدولية، أو عن الحصول على جوائز تظهر النجاح الذي تلقاه السينما الإيرانية في العالمين الغربي والعربي ولا يمكن تجاهل الحديث عن الثورة الإسلامية والنظام الحاكم في إيران، بمجرد الغوص في تاريخ وحاضر السينما الإيرانية. والأكيد أنه من الظلم تصنيف المخرجين الإيرانيين على أساس تأييدهم لنظامهم أو معارضتهم له، خصوصاً أن النموذجين اجتهدا في ظل ظروف رقابية قاسية جداً لتقديم أفلام حقيقية، نجحت في الوصول إلى العالمية وحصد العديد من الجوائز السينمائية المهمة. فيمكن لكل متابعي ورواد السينما الإيرانية، وصفها بـ”سينما الإنسان”. إذ تربط بين المخرجين الإيرانيين والشارع والناس والبساطة، علاقة قوية ،  فاهتمام السينما الإيرانية ينصب في غالبيته على الإنسان وعلى طريقة حياته وثقافته، والمخرجين الإيرانيين قادرين على نقل قصص حقيقية من الشارع بأسلوب جذّاب، يُشعر المشاهد أنه يعيش داخل الفيلم . أما أصغر فرهادي، فيأخذ المشاهدين بجرأة أكبر إلى عالم متشعب من الأفكار الدينية والسلوكيات الاجتماعية في أفلامه الثلاثة “الرقص مع الغبار”، “انفصال”، “الماضي”.

يعتبر العامل المشترك في الأسلوب السينمائي بين المخرجين الإيرانيين، هو القدرة على تقديم فيلم سينمائي متكامل وعميق، بميزانيات قليلة، وصورة بسيطة، من دون أي إبهار أو خدع بصرية لتكامل هذه البساطة في أفلامهم، يلجأ معظم المخرجين الإيرانيين إلى اختيار أناسٍ عاديين، غير ممثلين، للعب أدوار البطولة يعرفهم المخرج جيداً  إلى نصه ويدربهم ويعتمد نجاح الأمر على مدى براعته في إدارتهم واستفزازهم بطريقة تدفعهم إلى التمثيل بعفوية مطلقة”.وقلما تجد مخرجاً إيرانياً يقدم فيلماً ليس من تأليفه. هو أيضاً أسلوب إيراني مشابه لـ”سينما المؤلف”، التي راجت في فرنسا منتصف القرن العشرين فمن يكتب النص قادر على إخراجه بطريقة أفضل، لأنه صاحب الفكرة ويعيشها في النص قبل أن يعيشها في التصوير صرح ومن اقوال فرهادى الشهيرة “«حين أكتب، لا أفكر في جمهور معين أتوجه إليه بالحديث، بل أكتب فقط ما يمليه علي قلبي».

 

 

اختير المخرج والسيناريست الإيراني أصغر فرهادي  ، من ضمن أكثر 100 شخص تأثيراً في العالم عام 2012 من قبل جريدة Time.  للأسف لا تحتوي المواقع الإلكترونية على كل رصيد فرهادي من الأفلام، ربما لمرور سنوات عديدة عليها , وربما لأن وقت صدورها لم يكن فرهادي نال كل الشهرة الحالية , فلم يهتم محبو الأفلام بترجمة أفلامه، ولكن يظل الحظ حليفنا قليلاً , إذ منحنا أربعة أفلام مترجمة له وهي: (About Elly)، (Separation)، (The Past)، (The Salesman). الأفلام التي ربما ستكون أروع ما شاهدت في حياتك.

 

Comments

comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares