بي كيدودي | ام كلثوم أفريقيا وقصة 100 عام من الغناء !

28548502_10155626739202669_1549587047_o

 

 

 

 

كم من مواهب لم تعرف الشهرة، وكم من جواهر زادت قيمتها كلما مر عمرها……فقد تجاوز عمرها المائة سنة بثلاث عشرة سنة، قضت منها قرنا كاملا وهى تغني، لكنها كانت تشعر دائما أنها طفلة، لذا سموها الجدة الصغيرة .

لم تكن تعرف تاريخ ميلادها على وجه الدقة، لكنها تتذكر جيدا أنها بدأت الغناء فى طفولتها,  ولدت فاطمة بنت بركة خميس عقد  1910   في قرية مفاجيمارينغو، ولا يُعرف تاريخ ميلادها ولا تفاصيل نشأتها على وجه التحقيق. كان أبوها بائع جوز هند في زنجبار أثناء الاحتلال الإنجليزي. يعرفها الجميع باسم «بي كيدودى»،  بدأت الغناء على مركب شراعي في سن العاشرة، اذ تقول ”  لم يعلّمني أحد ذلك، فقط موهبتي هي ما كانت تغذيني طوال الوقت، كان العرب يأتون بمراكبهم الفارهة وأمتعتهم الثمينة ، ويرسون في الميناء للاسترخاء، يحبون قرع الطبول، كنا نستقبلهم بألأغانى ، في هذه الفترة لم يكن يرغب أحد في أن يجلس بجواري، إذ كانت ملابسي بالية ، فقد كنت بمثابة متشردة شاطىء”  وهي وريثة المطربة الأولى ” ستّي بنت سعد ” اذ   تأثر فن «بنت بركة» بأيقونة الطرب في بلادها «ستي بنت سعد»،أول مطربة غنَّت باللغة السواحلية  مثال «هاكونا ماتاتا»، أي «لا مشكلة» باللغة السواحيلية و هى واحدة من آلاف ممن كافحوا لنقل هويتهم العرقية والاجتماعية و  كانت أول امرأة في شرق إفريقيا تسجل ألبوماً غنائياً، ومن رائدات الغناء على الطريقة السواحلية، بعد أن كان سابقوها يفضلون العربية.

 

 

في بداية مسيرتها الفنية بدأت «بنت بركة » العمل مع فرق شعبية محلية، تقدم موسيقى الدومباك، القائمة على إيقاعات الطبول الإفريقية، مع أنماط كلاسيكية من الطرب، والتراث السواحيلي، وتتنوع أدواتها بين العود والكمان والقانون، مع الطبول والمزامير الإفريقية المعروفة، أما رسائلها فكانت تركز بشكل كبير على شجب إساءة معاملة المرأة. وكانت  تعالج مواضيع متنوعة فهي لا تقتصر على المراسيم بل تتعدى ذلك إلى نقد السلوك الاجتماعي مثل الفساد العام ونقد حالات الظلم اما  شهرتها الحقيقية خارج نطاق قريتها يرجع الفضل فيها الى فرقة محمد إلياس  «النجوم المتلألئة» التى إنضمت إليها وقد  نالت إعجابهم وتشجيعهم وأصبحت مطربتهم الرئيسية وبدأت الفرقة تتابع جولاتها الغنائية في الشرق الاقصى والاوسط واوربا  وقالت “بنت بركة ”  أو الجدة الصغيرة كما يدللولنها في لقاء تلفزيوني إن الطرب بالنسبة لها كإلقاء الروح في السماء، فالمسرح به روح واحدة تحلق عالياً وهي المطرب بينما يظل العازفون جالسين على مقاعدهم.

انضمت بنت بركة  بعد ذلك الى  فرقة دار السلام «شيكامو جاز فى تسعينات القرن الماضى »وكانت فرقة موسيقية متميزة بمزج الطرب بموسيقى الجاز وقد زارت بنت بركة عدد كبير من الدول حول العالم  مثل بولندا، وإنجلترا، وإيطاليا، وألمانيا، والسويد، لقد كانت بمثابة بنك موسيقي متنقل فقد غنت جميع ألوان الموسيقي  من العربية إلى التراث الزنجباري التقليدي، إلى الجاز التنزاني، واعتادت هذه المطربة الأسطورة أن تمشي حافية القدمين، وعندما ذهبت لتحيي الحفلات في العالم كله أيضا كانت حافية القدمين، وعندما استفسر الناس عن سبب هذه العادة قالت بخفة وفكاهة: «إنها مفيدة لقدمي »

وشهدت سنواتها الأخيرة إقبالا كبيرا عليها من مواطنى تنزانيا وزنزبار، لإحياء حفلات «ليلة الحناء»، لأنهم كانوا يطربون لأدائها، وكانت تتمتع بخفة الظل والقدرة على الارتجال، وكانت تصيغ النصائح للعروس فى أغانٍ محببة. كما كانت تستحضر بصوتها القوى الشجى روح التراث الشعبى، الذى توارثته الأجيال, وتضيف إليه من روحها، وصوتها عذوبة إضافية، واشتهرت لها أغنية طريفة تُوبخ فيها الرجال لسوء معاملاتهم النساء, وعدم إخلاصهم لهن. وكانت ألبوماتها تبيع بمئات الآلاف فى البلاد الإفريقية، والشرق الأوسط, واليابان, وأوروبا. وكرمت فى أكثر من مناسبة, مثل مهرجان زنزبار السينمائى العالمى 1999, وفازت فى 2005 بجائزة «ووميكس» العالمية، ، لتأثيرها الكبير على الموسيقى والثقافة في تنزانيا، كما حصلت على وسام الفنون والرياضة التنزاني سنة 2012 وغنت في أرقى المسارح في باريس وحصدت الكثير من الشهادات العالمية و كانت تعتبر سفيرة الغناء في أفريقيا وقبيل  وفاتها بحوالي أربع سنوات وصفتها قناة «بي بي سي» بأسطورة الغناء في زنجبار

  فهى لم تحافظ فقط على روح التراث، بل أيضا أثرته بإضافاتها المواكبة للتغير فى البيئة من حولها»،. وعرف عنها أيضا عطفها وسخاؤها, وقيل إنها كانت تنفق الآلاف على المحتاجين بكرم دائم، كما كانت تتبنى المواهب الموسيقية الشابة, وتعلّمهم الموسيقى والطرب على نفقتها الخاصة، واشتهرت أيضا بمعالجة الأزمات الربوية بالأعشاب، وكانت طوابير المرضى أمام بيتها دائماً. فازت بحب الأصدقاء حيثما تسافر وفي بلدها زنجبار مثار جدل  فهي المتحدية والمتمردة على النظرة السطحية  للمرأة ودورها  في المجتمع التنزاني.

 

 

جاءت الجدة الصغيرة  إلى القاهرة مع فرقة «تاووسى» (طاووس) النسائية لتغنى وتقرع الطبول، فى مهرجان الربيع بقصر الأمير طاز فى 28 أبريل 2012، وهذه الفرقة النسائية تلقت دعوات للغناء من الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وغنت عدة مرات فى «مهرجان زنزبار» السينمائى الدولي, ومهرجان «باجا مويو» الثقافى وعملت مع فرق موسيقية عديدة، خاصة فرقة نادى الموسيقى الثقافي، حتى أصبحت لاحقا «ملكة الطرب وموسيقى الأونياغو».وكان الطرب المصرى قد انتقل إلى جزيرة زنزبار على يد فرقة مصرية ذهبت لإحياء حفل فى قصر السلطان العُمانى «برغش» عام 1870 فاحب الزنزباريين،  الطرب المصرى ما جعل السلطان يأمر بأرسال بعض الهواة ليتعلموا العزف والغناء ومازالت تستخدم هناك إلى الآن وربما هذا ما سهَل عليها ترديد بعض أغانى سيدة الغناء العربى «أم كلثوم»، وأغنية الموسيقار «محمد عبد الوهاب»، و«أحمد شوقى» : اسهرت منه الليالى.. مال الغرام ومالى .. إن صدَّ عنى حبيبى .. فلست عنه بسالي»فقد خرجت كل هذه الأيقونات الغنائية من حنجرة تجاوزت المائة عام  وتلقّب دي كيدودة في المنطقة العربية بأم كلثوم زنجبار نظراً إلى أنها تغنّي اللون الطربي، وانتقلت بين عمان ودول عربية أخرى وبقيت نشيطة حتى في سنوات حياتها الأخيرة على الرغم من مرضها فهل يصدق أحد أنها كانت تقرع الطبول وتدخن السجائر حتى نهاية عمرها، ومع ذلك كانت تطلق العنان لرئتيها لتشدو كشابة في منتصف عمرها.

الجدة الصغيرة كان لها أيضاً  أعمال جليلة مثل تبرعات ورعاية الأيتام، وحفر الآبار في المناطق القاحلة والفقيرة في زنجبار، فالكل كان يلجأ إليها ويطلب منها العون تلك العجوز المريضة التى تجاوزت المائة عام من عمرها ولكن عام 2012 صثدم  كل عشاقها ومحبيها فى زنجبار بإختفاء الجدة قبل أن يظهر أبن أخيها ويصرح بأنه قد قام بإحتجازها لحمايتها من استغلال الموسيقيين والمخادعين الذين يقومون بخداعها والتحايل عليها للأستيلاء على مالها وذلك بعد تداول عدة   شائعات لاستغلالها، و مَنعها من أداء أي عرض مقبل  بعد أن  تلفت رئتاها من فرط التدخين ولن تتمكن من الغناء مجدداً وبالنسبة لبنت بركة كان الغناء هو شريان حياتها فمن حبها فى الغناء قالت عنه : «كإلقاء الروح فى السماء».  و  قالت فى أخر لقائتها ” إذا توقفت عن الغناء، فكيف تتوقعون مني البقاء ” وبالفعل توفيت بنت بركة بعد عدة أشهر عام 2013 شارك رئيس تنزانيا والآلاف فى مراسم تشييع جنازتها، وجرت مراسم الدفن في المنزل الذي أصبح في السنوات الأخيرة مركز جذب للسواح نظراً إلى شهرة المطربة التي تنتشر في أنحاء أفريقيا وقدّم الرئيس اجاكايا كيكويتيب تعازيه فى رحيلها، ودفنت فى قرية «كيتومبا».وفى أثناء الجنازة التى كانت وفقاً للشريعة الأسلامية نظراً لأن دى كيدودى  كانت مسلمة  وبكى عليها كثيرون لأنها كانت والدة و جدّة للجميع كما أن كثيرين ممن شاركوا في مراسم التشييع أرادوا التأكد بأنفسهم من صحّة نبأ وفاتها وقد تم تقديم وثائقي عن حياتها بعنوان ” عُمرى من عمر لساني   As Old As My Tongue” أنتجه أندي جونز ويحمل أحد الفنادق في زنجبار اسم “كيدودة” تيمّناً بها

 

 

إن هذه المطربة الأسطورية أكبر دليل على أن الثقافة المصرية وصلت إلى قلب أفريقيا ليس بالاحتلال ولا بالسياسة ولا بالاقتصاد ولكن بالفن والموسيقى؛ ورغم كل تلك العقود التي تظهر في تجاعيد وجه “بي كيدودى ” إلا أن صوتها زاد طلاوة، وكأن الزمن يصقله كتحفة فنية. إن أداء بي كيدودي كان مفعما بالحيوية، حيث غالبا ما كانت ترقص وتدق طبلا ضخما أثناء غنائها  مطربة الطرب الزنجباري وملكته دون منازع  أسطورة الطرب بلا منازع فى شرق إفريقيا، عادة تكشف في أغانيها عن مفارقات مثيرة في حياة هذا الرمز الأيقوني مقدمة روائع فن الموسيقى التصويرية الكلاسيكية عبر مائة عام من السواحيلية .

Comments

comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares