سايكس و بيكو | الرجلان اللذان رسما حدود الــدول العـربــيــة وقسماها لأجزاء !

33302979_10155844294502669_6949870861524402176_n

“سايكس” و “بيكو” ؟ اللذان رسما حدود الدول العربية وقسماها لأجزاء  – أصحاب  الخريطة التي ولدت 100 عام من الغضب  – الرجلان اللذان دمرا الشرق الأوسط قبل 100 عام بالتمام والكمال، عمل شخصان بجدٍ ومثابرةٍ وسريةٍ تامةٍ على رسم حدودٍ جديدةٍ لمنطقة الشرق الأوسط، أو ما كان يُعرف سابقاً بمناطق نفوذ الدولة العثمانية , الأول انجليزي يدعى مارك سايكس، والثاني فرنسي يدعى جورج بيكو , وهذان الشخصان هما أصحاب  اتفاقية “سايكس – بيكو” الشهيرة التي غيرت معالم الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى , كل منهما يحمل جنسية مختلفة، يتحدث بلغة مختلفة عن الأخرى، ولم يكن أكثر المتفائلين حظًا أن يتخيل ارتباط اسميهما لأكثر من 100 عام في أحد أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط , واليوم نتعرف اكثر هل هذين الاسمين الذين رسما حدود الدول التي نحيا فيها الان .. وهذا ليس بفرط قوتهما .. بل لفرط ضعفنا نحن العرب .. فلعل قراءة التاريخ تعلمنا كيف نقرأ المستقبل .. ونتعلم من أخطائنا .

وقبل ان نبحر معاُ في حياة كلاُ من هما علينا اولاً ان نتعرف اكثر عن المعاهدة المشئومة التي حملت اسم كلأ منهما وقسمت ارض الخلافة العثمانية وبلاد العرب إلى دول متناحرة .

اتفاقية «سايكس – بيكو»، والتي تعرف ايضاً باسم “اتفاقية القاهرة السرية” أبرمت فى 16 مايو 1916. وهي اتفاق بين بريطانيا العظمى وفرنسا بمصادقة الإمبراطورية الروسية لتقسيم منطقة الهلال الخصيب العربية بعد تهاوي نفوذ الدولة العثمانية في هذه المنطقة , وذلك بهدف السيطرة على مستقبل هذه المنطقة لضمان نفوذهم بها والسيطرة على موارد الطاقة، وممرات الملاحة والأسواق الواعدة في الشرق الأوسط , لم تكن هناك حدود مرسومة لدول معروفة شرق حدود مصر وقد قسمت العاهدة المنطقة , فأخذت فرنسا الجزء الأكبر من الجناح الغربي من سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق، وقد امتد نفوذ بريطانيا من طرف بلاد الشام الجنوبي متجهاً إلى الجانب الشرقي ليشمل بغداد والبصرة وكافة المناطق الواقعة بين المنطقة الفرنسية في سوريا والخليج العربي، كما قرروا وضع فلسطين تحت الإدارة الدولية المتفّق عليها بين فرنسا وبريطانيا وروسيا، إلا أنّ الاتفاق قد نصّ على منح عكا وحيفا إلى بريطانيا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في الوقت الذي كان العرب يسعون لأخذ اعتراف بحقهم في تأسيس دولة عربية، كانت تقام مفاوضات سرية بين دول فرنسا وبريطانيا وروسيا لأجل تقسيم الدولة العثمانية والتي من ضمنها البلاد العربية .

وقد استمرت مفاوضات اتفاقية «سايكس – بيكو» أربعة أشهر ظلت خلالهم المعاهدة سراً لا يدري بها العرب، إلى أن نشرتها الحكومة السوفيتية في روسيا بعد الثورة الشيوعية سنة 1917. وعندها سارعت بريطانيا إلى طمأنة العرب إلى أن المعاهدة أصبحت ملغاة بعد انسحاب روسيا من الحرب وانضمام العرب إلى جانب الحلفاء. أما الصهاينة فقد احتجوا عليها لدى الحكومة البريطانية، على أساس أن تدويل فلسطين يتنافى وفكرة الوطن القومي اليهودي، فأكدت لهم ان التدويل هو مجرد خطوة مرحلية تكتيكية أملاها موقف فرنسا وروسيا، اللتين كانت لهما مطامع عديدة أيضا في فلسطين، وأن بريطانيا ستعمل لإلغائه، وهو الأمر الذي أكده بالفعل صدور وعد بلفور الشهير بعد ذلك , والذى كان عبارة عن رسالة بعثها وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية يطمأنه بأن سيعمل على توطين اليهود وإقامة وطن دائم لهم على أرض فلسطين

نبدأ مع أولهما ..وهو الانجليزي “مارك سايكس”  Sir Mark Sykes, Bt ولد مارك سايكس فى 16 مارس عام 1879  , وكان والده السير  سايكس بارون مرموق , ولكنه كان رجل شديد البخل والقسوة، وقد تزوج من صبية مراهقة أنجبت له مارك في زواج غير سعيد انتهى بفضائح اجتماعية ومالية في المحاكم ، وما إن بلغ سن المراهقة، بلغت الخلافات بين والديه درجة الانفصال، فانتقلت الأم للسكن في لندن، وكانت قد أدمنت شرب الخمر ولعب القمار، مما أدى إلى خسارة مبالغ مالية كبيرة، وقضى الصبي تلك الفترة متنقلاً ومتعثراً بدراسته في معاهد داخلية ، ولكن من خلال وساطات مؤثرة انضم إلى جامعة كمبردج ، ولكنه لم يستمر فيها طويلاً، فقد رسب في الامتحان المبدئي بعد سنتين غير منتظمتين في الدراسة. وعلى إثر فشله في التحصيل العلمي، اختار القيام برحلات استكشافية على غرار الرحالة في العصر الفيكتوري. سافر إلى فلسطين، وبدأ بدراسة اللغة العربية على يد أحد أساتذة اللغات الشرقية المشهورين , ولم يقدّم مارك في المدارس والجامعات التي تنقل فيها ما يثير الاهتمام ربما غير حواديته المشوقة عن الحياة في إسطنبول والملابس العربية والتي كان يجلبها معه خلال أسفاره الطويلة.

 Related image

اتجه إلى الكتابة عن تجربته في الأسفار، فنشر عام 1900 كتاب «خلال خمسة أقاليم تركية»،  لكنه لم يحظ بإقبال القراء، فالتحق بالجيش البريطاني في جنوب أفريقيا حيث شارك في حرب البوير ، فعاش أياماً صعبة هناك رغم أنه لم يقاتل بنفسه. ولما عاد نشر باسم مستعار كتاباً عن الاستراتيجية العسكرية , وقد وصفته إحدى الصحف بأنه «أفضل ما كتب إلى اليوم من الهراء» فقد كان بالفعل كتاب سىء جدا

نفوذه العائلي أدخله السلك الدبلوماسي البريطاني ليعمل ملحق بمكتب الشؤون الآيرلندية، ولاحقاً في الممثلية البريطانية لدى السلطان العثماني. وهذه الخبرات أعطت عنه الوهم بأنه مطلع على شؤون الأقاليم العثمانية ، وانتشرت سمعته في المجلس كأحد المختصين في شؤون الشرق الأوسط لكثرة أسفاره للمنطقة والكتابة عنها، حتى أطلق عليه زملاؤه في المجلس لقب «الملا المجنون». وقد استغل ذلك ليدلف إلى دهاليز أصحاب القرار السياسي، مدعياً خبرته وإلمامه بما يحدث في شؤون الدولة العثمانية

إستمر سايكس في عرض خدماته إلى أن أثمرت تلك الجهود إثر التصاقه بمدير مكتب اللورد كتشنر، إذ عين بمركز قيادة الجنرال السير جون ماكسويل قائد القوات العسكرية في مصر، وابتدأ نجم مارك سايكس في الصعود، خصوصاً حينما عيّنه الوزير ممثلاً له في لجنة دي بونسين , وكانت ميول سايكس في البداية مضادة لليهودية وتغلغلها، ولكنه بعد زيارته لروسيا مع “بيكو” حول إجراء المباحثات النهائية للاتفاقية، وبدأت ميوله تنحاز إلى الصهيونية. وفي عام 1917، اجتمع سايكس في منزل الحاخام بلندن بخمسة من زعماء الصهيونية في بريطانيا , ويمكن أن يقال عن ذلك الاجتماع أنه حفل تعميد سايكس ودخوله في فلك الصهيونية ».

استمر سايكس في رحلاته إلى بلاد العرب خلال الحرب، ولكن دوره بدأ بالتضاؤل نسبيا خاصة بعد موت كيتشنر، فأصبح على هامش الأحداث بعدما كان في قلبها. ولكن ذلك لم يمنع تحركاته حتى انتهاء الحرب، حيث كانت سفرته الأخيرة متنقلا بين مصر وسوريا وفلسطين لمدة قاربت ثلاثة اشهر عاد على إثرها إلى بريطانيا في أواخر 1919، وقد بانت عليه علامات الإرهاق والإحباط، ولكنه بقي مصرا على الظهور في دائرة الأضواء كعادته، فسافر إلى باريس في بداية فبراير للمشاركة في مؤتمر السلام ومات فيها لإصابته بوباء الإنفلونزا الأسبانية في 19 فبراير 1919 عن عمر بلغ 39 سنة فقط ، وكان قد أصيب سايكس بالمرض لدى عودته من سوريا، وقد توفي في فندقٍ بالعاصمة الفرنسية باريس أثناء حضوره مفاوضات السلام التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. ولكنه لم ينم بسلام، فيما بعد، في عام 2007، أي بعد 90 سنة من وفاته، سمح أحفاده للأطباء بنبش جثته وفتح كفنه لأخذ عينات من بقاياه كونه دُفن بتابوت من الرصاص إذ يُعتقد أن هذا سيحفظ فيروسات النزلة الإسبانية -الشبيهة بإنفلونزا الطيور بشكل ملائم للبحث العلمي ولقيت مذكراته بعد وفاته رواجاً كبيراً، ولعبت دورها كتحليلٍ سياسيٍ وتاريخيٍ واجتماعيٍ وثقافيٍ لتلك الحقبة من الزمن، وقد كتب حفيد سايكس كتاب عن سيرة حياة جدّه بعنوان «الرجل الذي صنع الشرق الأوسط»، في محاولة جادة لتجميل سيرة الرجل .

والان ننتقل الى الرجل الثاني في الاتفاقية او المؤامرة وهو جورج بيكو ولد فرانسوا  ماري جورج بيكو في باريس عام 1870. أبوه هو المؤرخ والمحامي الفرنسي جورج بيكو , وهو عضو الأكاديمية الفرنسية ومؤلف كتاب «التاريخ العام للدولة» , كان الأب من الاستعماريين الفرنسيين بصفته عضوا مؤسسا وناشطا في الحزب الكولونيالي الفرنسي، وشب الابن معجبًا بأبيه ، وتبعه بدراسة القانون ومارس مهنة المحاماة وعمل في محكمة الاستئناف في باريس ، ثم اتجه للعمل بالإدارة القانونية في وزارة الخارجية.  بعدها انتقل بيكو إلى السلك الدبلوماسي ، فعمل في السفارة الفرنسية في كوبنهاغن حتى عام 1901، ومنها إلى بكين بدرجة سكرتير أول إلى عام 1909، ثم الى البرازيل ، بعدها نقل إلى بيروت، وكان ذلك أول عمل له في الشرق الأوسط بمنصب قنصل عام، حيث استطاع في فترة وجيزة أن يبني ويوطّد علاقات قوية مميزة مع الناقمين على الحكم العثماني والحالمين بالاستقلال عنه .

 

Related image

كان بيكو يكرس معظم اهتمامه لما ستحصل عليه فرنسا من الشرق الاوسط، ولذلك قام بتشجيع العمل السري للمثقفين العرب وتجمعاتهم التي انتشرت في باريس في بداية القرن العشرين، والعمل لانسلاخها من الحكم العثماني، كما كان يحث حكومته على أن تكون مستعدة للتدخل قبل أن يستغل الفراغ الجانب البريطاني , ولم يتوقف عند ذلك، بل بدأ الاتصال بالحكومة اليونانية قبيل دخول تركيا الحرب بجانب ألمانيا، وعمل على إرسال 15 ألف بندقية وعتاد بمليوني رصاصة إلى الميليشيات المسيحية في لبنان .

دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولي بجانب ألمانيا فقطعت العلاقات الدبلوماسية مما حتّم عليه المغادرة، ولكنه كان مؤمنا أن فرنسا سوف تقوم بإنزال عسكري في لبنان مباشرة، والتشجيع على إعلان الثورة ضد الحكم العثماني. فغادر بيروت على أساس العودة السريعة، واثر مغادرة بيكو بيروت انتقل إلى القاهرة وبقي في القاهرة حتى مايو 1915. وفي أغسطس أرسل إلى لندن كسكرتير أول لإتقانه اللغة الإنكليزية، وبطلب من السفير الفرنسي فيها وبصفة مشاور لمتعلقات تاريخية وجغرافية سوريا بتدأ العمل مع سايكس في الجنة التي أثمرت عن المعاهدة المشئومة “سيكس بيكو” , المعاهدة التي حملت اسميهما

عام 1917 رفّع إلى درجة مستشار زار خلالها الشرق الأوسط عدة مرات برفقة سايكس متنقلاً بين القاهرة والقدس ودمشق وبيروت , وبعد انتهاء الحرب رفّع إلى درجة وزير مفوض ثم عاد مندوباً سامياً في بيروت , واستمر في العمل الدبلوماسي متنقلاً من بلد لبلد عام 1927 اذ بدأ إجازة مرضية طويلة الامد استمرت حتى تقاعده في يناير 1932، وكان آنذاك قد بلغ منصب سفير. وقد عانا خلال فترات طويلة من حياتة من فضائح جنسية مع عشيقات متعددات , كما وقع في إشكال مالي مع أحد الفنادق في باريس، حيث إنه كان يقيم مع عشيقته بصفته سفيرا فرنسياً ، لكنه غادر الفندق بدون أن يدفع الأجور، ما حدا بالفندق إقامة دعوى جزائية ضده , وانتشرت الفضيحة لتختتم حياته الحافلة بإثارة الجدل كزميله الإنكليزي. وتوفي جورج  بيكو في 20 يونيو 1951 عن عمر بلغ واحدا وثمانين عاما والان بعد ان تعرفنا على قصة الرجلين .. فلا داعى للإيضاح بان كلاُ منهما كان اقل شئناً من ان يحدد مصير منطقتنا العربية .. ولكنهم لم يصلوا لهذه المكانة وحفرا اسميهما بالتاريخ بقوة أعمالهم ومكانتهم .. بل بضعفنا نحن العرب .

 

Comments

comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares