فريدا كاهلو | أكثر من مجرد امرأة بحاجبين متصلين – اشهر رسامة عرفها العالم

28278052_10155610489577669_1228310548_o

كما يبرع الكتاب في تدوين سيرهم الذاتية بالقلم والورقة ليخرجوا لنا نصًا يتضمن خبراتهم وآلامهم وتجاربهم ، يستطيع الرسام أيضًا تدوين قصة حياته عبر مجموعة من اللوحات التي تترك أثرًا لا يُمحى رغم مرور الزمن، وأحد أهم الرسامين الذين أرخوا لأنفسهم، فريدا كاهلو، الرسامة المكسيكية التى  اشتهرت برسمها للبورتريهات الذاتية. لتبرهن بلوحاتها على أن الابداع يولد من رحم المعاناة , بعد ان عاشت حياة مليئة بالأوجاع والالام , لتصبح اليوم اشهر رسامة عرفها العالم يوماً.

 

وُلِدَت فريدا كاهلو باسم ماغدالينا كارمن فريدا كاهلو في 6 يوليو 1907، في بيت أبويها المُسمى “البيت الأزرق”. في أحد ضواحي مكسيكو سيتي، العاصمة الفيدرالية لدولة المكسيك. وكان والدها مصور ألماني هاجر إلى المكسيك التي قابل فيها والدتها – ماتيلدا – التي كانت من أصل مكسيكي؛ كان لفريدا أختين أكبر منها وأخت أصغر منها كانت تصغرها بعامٍ واحد , وما لبثت أن أتمت السادِسة، حتى داهمها «شلل الأطفال»، ليتركها بعد شهور بقدمٍ يُمنى أنحف كثيرًا من الطبيعي لتُعرف بين أقرانها بذات القدم الوتدية، الأمر الذي حاولت العائلة أن تجعلها تتخطّاه بأن تشرك اختها الصغيرة في صفٍ لممارسة الرياضة، ككرة القدم والمصارعة والسباحة , وقد تركت تلك الأعاقة أثراً نفسياً سيئاً عليها لفترة طويلة من حياتها، فلم ترتدِ الفستان في حياتها إلا مع الجوارب كي تخفي أعاقتها. غير أنه على ما يبدو لم تكُن هذه هي آخر محن «فريدا» مع المرض

دخلت فريدا المدرسة الأعدادية وكانت طالبة تنطق أفعالها بمبادئ شيوعية أصيلة، وتهوى علم الأحياء وترسم مستقبلاً لها تُصبح فيه طبيبة، وقد أُغرمت، شأنها شأن جميع المراهقات، بأحد الفتيان الثوريين وقتها هو «أليجاندرو جوميز أرياس»، والذي على الأرجح كان صاحب أول إهداء على الإطلاق من بورتريهات «فريدا» الذاتية، لوحة «في الرداء المخمليّ»، الذي رسمته عام 1926، لتُهديه إياه ، ولكن والدته أنهت قصة غرام المُراهقين تلك بأرساله خارج الحدود وقطع الرابط بينه وبين الرسامة الصغيرة

أصيبت فريدا عام 1925 وهى في الثامنة عشرة من عمرها في حادث اتوبيس كان يقلها إلى منزلها وعلى أثر الحادث، عانت من كسور في العمود الفقري والحوض واضطرت إلى التمدد على ظهرها من دون حراك لمدة سنة كاملة. وقد عملت والدتها على راحتها طوال تلك السنة، ووضعت لها سريراً متنقلاً ومرآة ضخمة في سقف الغرفة، فكانت وحيدة وجهاً لوجه مع ذاتها طوال النهار، فطلبت ريشة وألواناً وأوراقاً لترسم، وراحت تنقل صورتها يومياً , واكتشفت بذلك حبها بل شغفها بالرسم. فقد غير ذلك الحادث كافة الخطط التي كانت قد رسمتها لمُستقبلها   , كتبت «فريدا» عن بورتريهاتها الذاتية ذات مرة «أنا أرسم لأني دومًا وحيدة، وذاتي هي العُنصر الذي أعرفه جيدًا وأستطيع رسمه»

 

 فريدا لم تدرس الرسم أكاديمياً إلا أنها كانت تلقت بعض الدروس على يد أحد الأساتذة، ولكنها استطاعت عبر لوحاتها أن تجعل المتلقي يرى الألم واقعية.. حياً .. قبيحاً .. قاتلاً.. كان الرسم هو الوسيلة الوحيدة التي جعلت كاهلو تعبر عن آلامها وعذابها، وكانت تجربتها منبعا لخيالها، كانت لوحاتها بسيطة وواقعية وقابلة للفهم، وبها كتير من التوثيق لحياتها،

بحلول عام 1928، عاودت اللقاء بفنان ورسام جداريات هو «ديجو ريفيرا»، كانت مُغرمة بفنّه منذ أيام المُراهقة، وسُرعان ما أغرمت به، وهو الفنان المُخضرم الذي يكبُرها بعشرين عامًا، لكنه أحبها وشجعها على عملها الفني كثيرًا.  تزوجت فريدا كاهلو منه عام 1929 وقد كان عمرها 22 سنة بينما كان عمره 42  سنة , لكن لم تكن حياتهما تقليدية , حيث كانا شبه منفصلين ويعيشان معًا , كانت فريدا حزينة بسبب خياناته المتعددة، لدرجة أنه خانها مرة مع أختها الصغرى  كريستينا! , ويذكر كذلك ان فريدا كان لديها ازدواجية جنسية مما ترتب عليه حدوث كثير من المشاكل , كما تعرضت للحمل والإجهاض مرة، لكنها كانت ترغب في الولادة بشدة فحملت مرة أخرى مما أتعبها بشدة وتعرضت لصدمة أخرى بالإجهاض

عام 1939 انتقلت للعيش في باريس لفترة من الوقت وعرضت هناك بعض لوحاتها وصادقت العديد من الرسامين ومن ضمنهم الرسام الشهير بابلو بيكاسو. وتطلقت من زوجها في العام نفسه، ولكنها وجدت نفسها تعاني في حياتها بمفردها فقد كانا زوجين منصهرين جمعتهما قصة حُبٍ وغضبٍ وضوضاء تخللتها فراقات ولقاءات  لذلك لم يطل طلاقهما كثيرًا , حيث عادا لبعضهما في العام التالي ليعودا إلى الحياة الزوجية المنفصلة جسديًا .

 

the-two-fridas

ففي مقولة شهيرة لها «مررت في حياتي بحادثين فادحين شديدي الخطورة، أولهما حادثة الحافلة، وثانيهما زوجي ديجو، والذي أعتقد أنه الحدث الأكثر فداحة بين الحدثين». فبالرغم من محبتها الغامرة له، وافتتانها به كفنان، إلا أن حياتهُما كانت عبارة عن تاريخ مطول من المآسي والخيانة والانفصال، هذه العلاقة المُعقدة، جعلت «ديجو» حاضرًا وبقوة كبطلٍ لبورتريهات فريدا، سواء مرسومًا، أو حتى دافعًا لرسم البورتريه من الأصل، فبعد عامين تمامًا من الزواج كانت «فريدا» قد انتهت من لوحة زفافهما «أنا وديجو». غير أن انفصالهُما كان له النصيب الأكبر من رسوم «فريدا» منها بورتريه «الفريدتان»

التقت فريدا  بـ”ليون تروتسكي”، الذي كان هاربا من الاتحاد السوفيتي ، وقد أعجبت فريدا بشخصيته بدرجة كبيرة، وأهدته لوحة خاصة تحمل اسم “بين الستارين”

وفي السنوات الأخيرة من حياتها كانت فريدا تعاني من التهاب الرئوي وكانت صحتها قد تداعت تمامًا، وفي عام 1953 أقيم أول معرض فني لفريدا وحدها في المكسيك وكانت طريحة الفراش ذلك الوقت، لكنها لم تقدر على أن تفوت هذه المناسبة الهامة , حيث ذهبت في سيارة إسعاف وكان لها سرير بأربع أعمدة في المعرض!

 

ولكن القدر لم يمهلها وقتاً طويلا كى يحول فرحتها الى مأساة جديدة فقد بُترت ساقها اليُمنى لإصابتها بالغرغرينا، الأمر الذي جعلها في حالة صحيّة سيئة، وكابدت آلامًا لا تحتمل، استعانت بالمورفين عليها، لتواصل الرسم والمشاركة في الفعاليات الفنية والسياسية على حد سواء قُبيل وفاتها

 توفيت فريدا كاهلو عام 1954، وقد أتمت 47 عاماً , ليتم حرق رمادها، ووضع الرماد في جرة توضع في «البيت الأزرقLa Casa Azul  » الذي عاشت حياتها فيه، كما تمنت هي و أوصت، بعدما كانت قُبيل وفاتها بأيام قليلة قد سجلت في مُذكراتها «أتمنى أن يكون الخروج ممتعًا، كما لا أتمنى ألا أعود ثانيةً.. وقد كتب دييغو ريفيرا لاحقاً  في سيرته الذاتية أن اليوم الذي ماتت فيه كاهلو كان أكثر الأيام مأساوية في حياته، مضيفا أنه اكتشف متأخرا أن الجزء الأفضل من حياته كان حبه لها.  تم خلط رمادها مع رماده بعد وفاته نتيجة لمرض السرطان، وقد تحول منزلهما الآن إلى متحف باسم فريدا كاهلو يضم عددا من أعمالها الفنية ومقتنيات عديدة من حياتها الخاصة.

بعد سنوات من وفاتها، قامت المخرجة جوليا تيمور، في عام 2002 بإخراج فيلم سينمائي عن حياة فريدا كاهلو وسيرتها الذاتية، بعنوان “فريدا.. الحياة المتنافسة”، ويحكي الفيلم كيف حولت كاهلو حياتها المأساوية إلى عالم من الخيال السعيد لتنسى حياتها الصعبة , و كان الفيلم من بطولة “سلمى حايك”،التى تفوقت  على نفسها في هذا الدور المعقد والمركب وهي تترجم الانفعالات الداخلية لدى الشخصية المقهورة عاطفياً والمدمرة نفسياً وجسدياً  .

 

نبع الرسم من تجربتها الخاصة في المعاناة وكان المتنفس الوحيد لآلامها وعذابها وطريق نقلها الألم للواقع وجعله محسوسًا والمعاناة جعلت تجربتها الخاصة منبعاً للخيال،  فريدا  لم تُكابِد في حياتها فحسب حياة زوجية مضطربة، وجسد مُثخن بالكسور والأوجاع، بل كذلك واجهت حُلمًا زائل بالأمومة، فمن بين لوحاتها ال143 هناك 55 منها رسم ذاتي لها تجسد فيه معانتها والماسي التى ألمت بها , وكل لوحاتها الشخصية تظهرها بحاجبين متصلين كثيفين, ومن اشهر أقوالها “لما قد أحتاج قدمين و لدى أجنحة لأطير ” أنا ملهمة نفسي ”   -” أرسم الازهار كى لا تموت “

استمر فنها في النمو وفنها في الانتشار فلم تلق أي فنانة في العالم ما لقيته من تقديرٍ لأعمالها التي أصبحت محطّ اهتمام نقّاد الفن , فقد تناولتها الكتابات في أكثر من 32 كتاباً لكُتّاب من جنسياتٍ مختلفةٍ , كما ان لوحاتها أكبر دليلٍ على أنها ماتزال موجودةّ في كل الثّقافات والعوالم , وحياتها أكبر دليل على أن الابداع يولد من رحم المعاناة.

 

 

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares