مارك توين | الاديب الساخر من الحياة ذاتها والرجل الذى تنبأ بموته !

32087059_10155814093652669_6719750186001760256_n

كانت حياته سلسلة من المصائب , فهو الطفل المشاغب الذي ظفر بعداء الجميع، وهو الاقتصادي الفاشل الذي يعاني الإفلاس، وهو البائس الذى رأى أخاه يحترق، وهو الزوج الذي فقد أفراد اسرته وظل وحيداً , ورغم كل ذلك كان احد اكبر مؤسسي الادب الساخر في العالم .. فقد نجح في ان يسخر من اوجاعه وبل ان يسخر من الحياة ذاتها , وهى السخرية التي نتذوقها في العديد من أقواله المأثورة : فهو القائل :

“كان من الرائع أن اكتشاف أمريكا ، ولكن الرائع حقا لو لم يتم استكشافها”

وقال ايضاً :

 

Image result for ‫مارك توين‬‎

 

والان فلنبحر معاً في عالم الاديب العظيم والساخر الأول “مارك توين” ولد مارك توين في 30 نوفمبر عام 1835 في ولاية ميزولاي الامريكية ، بأسم صمويل لانغهورن كليمنس في عائلة متواضعة لأب تاجر, وكان  السادس في الترتيب بين سبعة إخوة  لم يتجاوز منهم مرحلة الطفولة ـ  بخلاف صمويل ـ إلا ثلاثة فقط ، وعندما بلغ توين الرابعة من عمره، انتقلت أسرته إلى هانيبال ، وهي مدينة تقع على نهر مسيسيبي، وقد استلهم مارك توين مدينة سانت بطرسبورغ الخيالية التي ظهرت في روايتيه ” مغامرات توم سوير” و “مغامرات هكلبيري فين ” من هذه المدينة.

 

Image result for mark twain as kid

 

أدت وفاة والده بوقت مبكر إلى إجبار الفتى ذو 11 عاماً على العمل لكي يدعم أسرته , معاناته المبكرة غرست فيه نوع من التعاطف مع الطبقة العاملة.  ومع بداية عام 1851  بدأ بكتابة المقالات والاستكتشات الساخرة لجريدة هانيبال ، التي كان يملكها شقيقه أوريون. وفي الثامنة عشرة من عمره، غادر المدينة وعمل في الطباعة في مدينة نيويورك ، وبدأ في تعليم نفسه بنفسه في المكتبات العامة في الفترة المسائية، وقد اكتشف طريق رائع للمعرفة أوسع من ذلك الذي كان سيجده إذا كان قد التحق بمدرسة تقليدية .

في الثانية والعشرين من عمره عاد توين إلى ولاية ميسوري , وفي إحدى رحلاته في نهر المسيسيبي إلى نيو أورليانز أوحى له هوراس بيكسبي Horace E. Bixby ، قائد السفينة البخارية بالعمل كقائد سفينة بخارية، وهو \ عمل كان يدر على صاحبه دخلاً مجزياً ، ونظراً لأن هذه المهنة كانت تتطلب معرفة وافية بكل تفاصيل النهر التي تتغير باستمرار، فقد استغرق توين عامين في دراسة ألفي ميل من نهر المسيسيبي بتعمق قبل أن يحصل على ترخيص بالعمل كقائد سفينة بخارية

وأثناء تدريبه، استطاع توين إقناع شقيقه الأصغر هنري بالعمل معه، وقد لقي هنري مصرعه في إثر انفجار السفينة البخارية “بنسلفانيا” التي كان يعمل عليها، ويقول توين في سيرته الذاتية إنه رأى في أثناء نومه تفاصيل مصرع أخيه قبل شهر من وقوعه ، وهو ما دفعه إلى دراسة الباراسيكولوجيا او علم الظواهر الغير طبيعية ، وقد كان من أوائل أعضاء جمعية الدراسات الروحانية. وقد حمل توين إحساسه بالذنب والمسئولية عن مصرع أخيه طوال حياته.

 

Image result for ‫مارك توين‬‎

 

استمر توين في عمله الذى يحبه إلى ان اندلاع الحرب الأهلية الامريكية عام 1861 مما ادي إلى تجميد التجارة النهرية واضطر إلى تولي مهنة بديلة. حيث كافح من أجل إعادة تأسيس نفسه ، انتقل توين بعد ذلك إلى سان فرانسيسكو  حيث استمر في ممارسة العمل الصحفي، وحقق أول نجاحاته الأدبية عندما نشر قصته “الضفدعة النطاطة المحتفى بها القادمة من مقاطعة كالافيراس” في جريدة “نيويورك ساترداي برس” ، وهي القصة التي لفتت الأنظار إلى مارك توين. حققت له شهرة وطنية ووضعت الأساس لحياته المهنية الناجحة ككاتب

سافر توين إلى البحر المتوسط بتمويل من إحدى الصحف المحلية، وأثناء رحلته زار أوروبا والشرق الأوسط , وكتب مجموعة من رسائل السفر التي حظيت بانتشار كبير وجمعت فيما بعد في كتاب بعنوان “الأبرياء في الخارج” ، وفي هذه الرحلة تعرف توين إلى تشارلز لانغدون شقيق زوجته المستقبلية .

يقول توين إنه عندما أراه تشارلز لانغدون صورة شقيقته أوليفيا أحبها من أول نظرة. وقد التقى بها سنة 1868 وأعلنا خطبتهما في العام التالي، ثم تزوجا بعد عامين, و كانت أوليفيا تنتمي إلى عائلة “ثرية ولكنها متحررة”، وقد أتاحت له التعرف إلى بعض أفراد النخبة المفكرة، ومنهم معارضو العبودية و”الاشتراكيون و اللادينيون وناشطات حقوق المرأة وناشطو المساواة الاجتماعية” .

عاش الزوجان حياة سعيدة ورزقا بطفل إلا انه توفي وعمره 19 شهراً فقط , وفي سنة 1871 انتقل توين وأسرته إلى   مدينة هارتفورد  حيث شرع في إنشاء منزل (أنقذه معجبوه بعد وفاته من الإزالة ليتحول إلى متحف خاص به قائم حتى اليوم) وفي هارتفورد وضعت أوليفيا ثلاث بنات هما سوزي وكلارا وجين وقد دام زواج توين وأوليفيا 34 عاماً، انتهت بوفاة أوليفيا سنة 1904 شهدت مدينة هارتفورد خلال إقامة توين بها، التي دامت 17 عاماً، إبداع توين للعديد من أشهر أعماله، ولكن أكبر نجاحاته كانت عندما نشر “مغامرات توم سوير”، وهي رواية عن فتى صغير يكبر على جانب نهر المسيسيبي؛ وحقق الكتاب مع فكرته الحميمة حول فتى صغير ومغامراته، نجاحاً كبيراً.  وتوالت أعماله بعد ذلك مثل الأمير والفقير The Prince and the Pauper ، وتتحدث الرواية عن قصة اثنين من الأولاد الصغار متطابقين في المظهر: توم الفقير، والأمير إدوارد ابن الملك. ثم جاءت رواية  “الحياة على المسيسيبي” ، و” مغامرات هكلبيري فين”  حصل مارك توين على مبلغ كبير من المال من كتبه التي استثمرها في العديد من المشاريع التجارية. ومع ذلك فشلت العديد من المشاريع، مسببتاً له صعوبات مالية و من أجل تفادي الإفلاس، بدأ بالكتابة بشكل متكرر مما أثر على جودة أعماله. مما اضطره في النهاية إلى ان يعلن إفلاسه عندما أصبح غير قادر على التعامل مع الضغوط المالية المتزايدة جاء صديقه، هنري هتليستون روجرز ، لمساعدة توين في هذا الوقت الصعب وساعده في إعادة تأسيس نفسه ماليًا  وبكونه شخص مشهور جداً، كان يطلب أيضاً بشكل كبير كمتحدث مميز، مؤديًا حوارات ساخرة منفردة ولإلقاء الخطب في نوادي الرجال زار توين أوروبا للمرة الثانية وكتب عن زيارته تلك في كتاب بعنوان “صعلوك في الخارج    A Tramp Abroad)، كان توين مغرماً بالعلم والبحث العلمي، وقد تصادق مع   العالم العبقري نيكولا تسلا وكان يقضي الكثير من الوقت في معمل تسلا. وقد حصل توين نفسه على ثلاث براءات اختراع ,  ويروي كتابه “يانكي من كونيكتيكت في بلاط الملك آرثر” قصة أمريكي سافر عبر الزمن ونقل معه التكنولوجيا الحديثة إلى إنجلترا في عهد الملك آرثر، وقد صار هذا النوع من قصص الخيال العلمي فيما بعد نوعاً مستقلاً في أدب الخيال العلمي سمي بالتاريخ البديل .

 

Image result for ‫مارك توين‬‎

 

سنة 1896 أصيب توين باكتئاب شديد إثر وفاة ابنته سوزي بالالتهاب السحائي، وقد عمق أحزانه وفاة زوجته أوليفيا التى كان يكن لها حباً شديداً  بعدما ذاعت شهرة توين أشار بشكل ساخر ذات يوم: “لقد جئت إلى هذا العالم مع مذنب هالي سنة  1835، وها هو قادم ثانيةً العام القادم، وأنا أتوقع أن أذهب معه “، لكن الناس كان تستنكر كلامه وتظن أنه كان يمزح .  ولكن صدقت نبوءته بالفعل ؛ إذ توفي بأزمة قلبية في في الثاني من أبريل 1910، بعد يوم واحد فقط من اقتراب المذنب من الأرض، وبالتحديد في أقرب وضع ممكن  للأرض وهو المذنب الذى يمر بالأرض كل 75 عام

كان توين معروفاً ليس فقط بكتاباته الساخرة ولكن أيضاً بوجهات نظره المتطرفة تجاه الإمبريالية، وكان شخصية مشهورة جداً وصديق للرؤساء والعلماء والادباء ورجال الاعمال البارزين ، صدرت بعض الكتب عن توين  ومنها  السيرة الذاتية الصادرة عن مشروع كلمة للترجمة في الإمارات العربية المتحدة وهى ترجمة للسيرة الذاتية التى كتبها توين عن نفسه واوصى أن تنشر بعد مرور مئة عام على وفاته ويخاطب مارك توين القارئ في مقدمة الكتاب قائلا إنه يتحدث إليه من القبر، حرّا طليقا، بعيدا عن قيود هذه الدنيا .

 

 

 

Comments

comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares