أحمد ذكى  إمبراطور السينما المصرية

22375410_10155248221077669_309734820_o

 

 

 

كانت حياته رحلة للهروب من التعاسة إلى السعادة ، من القسوة إلى الاحتواء، خسر والده بوفاته في عامه الأول، وتزوجت أمه لتتركه وحيدا يصارع الدنيا التي لطالما أحبها ولكنها أدارت له ظهرها وخاصمته كثيرا. بملامح كان يراها قبيحة، ولكنها كانت محببة للملايين، بعيون كانت تتحدث إلى الجمهور بدلاً من الكلام بنظرات تحكي ألف كلمة، أبدع الفنان أحمد زكي الرجل الذي تربع على عرش أفضل ممثلي السينما لأكثر من ربع قرن، الأسطورة السينمائية والموهبة التمثيلية الفريدة التي أشاد بها روبرت دي نيرو حين شاهد فيلم زوجة رجل مهم، وقال بإن هوليود قد فقدت هذا الرجل

ولد النجم الأسمر “احمد ذكى متولي عبد الرحمن بدوي” في  18 نوفمبر عام 1949 في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وهو الابن الوحيد لأبيه وقد عانى من الشعور باليُتم في وقت مبكر جداً، إذ إن والده قد وافته المنية بعد ميلاده بفترة قصيرة، وزاد الأمر سوءاً بزواج أمه من رجل الآخر، ففقد بذلك أمه أيضاً، حيث لم يتمكن من العيش مع زوجها في بيت واحد، فتولى جده لوالده تربيته ورعايته منذ ذلك الحين، وكان رجلاً حكيماً ملتزماً دينياً، أحسن رعاية الطفل ، ويعتبر الجد هو القدوة والمثل الأعلى في حياته

تلقى زكي تعليمه مدارس الزقازيق الحكومية، وخلال سنوات دراسته اعتاد زكي على الانضمام إلى الفرق المسرحية، وقدم أول أدواره من خلال المسرح المدرسي، وكانت موهبته طاغية فجذبت إليه أنظار زملائه وأساتذته، وكان منهم ناظر مدرسته الثانوية الذي كان مسرحياً هاوياً، والذي نصحه بالعمل على تطوير موهبته وعدم إهمالها، وتكرر الأمر نفسه حين تمت دعوة بعض الفنانين إلى إحدى المسابقات المسرحية التي تقيمها مديريات التعليم، وحين شاهدوا أداء الطفل أحمد زكي على المسرح أعجبوا به، ونصحوه بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بعد إتمامه لدراسته الثانوية، واستمع زكي للنصيحة والتحق بالمعهد بالفعل تخرج من قسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1973 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ليكون بذلك الأول على دفعته و بعدها أجرى العديد من اختبارات التمثيل أمام كبار مخرجي المسرح آنذاك، فتمكن من الحصول على عدة أدوار ثانوية بالعروض المسرحية أبرزها دوره بمسرحية “هالو شلبي” ، والتي شارك في بطولتها اثنين من كبار نجوم المسرح في ذلك الوقت هما سعيد صالح وعبد المنعم مدبولي، وتوالت أعماله المسرحية الناجحة مثل مدرسة المشاغبين والعيال كبرت والقاهرة في ألف عام وغيرهم

 

الطول

مسيرة أحمد زكي السينمائية لم تختلف كثيراً عن مسيرته المسرحية، فقد تعرف عليه الجمهور من خلال العديد من الأدوار الثانية والصغيرة، التي علقت بأذهان الناس وفى عام 1978 حصل على أول بطولة في حياته الفنية، حين تم اختياره من قبل المخرج علي بدرخان  لتجسيد شخصية متولي بفيلم شفيقة و متولي، ، أدائه المبهر بالفيلم جعل المخرجين والمنتجين يضعون ثقتهم به، فتخطى مرحلة الأدوار الثانوية إلى الأدوار البارزة والرئيسية، بدأت بعد ذلك مرحلة فنية جديدة تتسلل لحياة “أحمد زكي” خاصة عقب تألق نجمه حتى أصبح أحد العلامات المتميزة في العالم الفني، وذلك لتنوع الأدوار التي يقدمها وتعدد الأشكال الفنية التي ظهر بها سواء الكوميدي أو التراجيدي أو أفلام الحركة والإثارة، مما جعله فنان شامل مرن متمكن من تجسيد كافة الأدوار

و علي الرغم من تميز “أحمد زكي” في التلفزيون والمسرح، إلا أن السينما حظيت بنصيب الأسد في مشواره الفني لقدرته الهائلة علي تجسيد العديد من الشخصيات الهامة التي أثرت في الحياة المصرية والعربية ومنها فيلم ” ناصر 56” الذي جسد به شخصية الرئيس المصري “جمال عبد الناصر”، وفيلم “أيام السادات” مستعرضاً شخصية الرئيس الراحل “محمد أنور السادات”، ولاقي الفيلمان الكثير من النجاح نظراً لقدرته العالية في التعمق في الشخصية محاولاً إبراز جميع جوانبها وأدق تفاصيلها

ومن أبرز أعماله السينمائية: أبناء الصمت – “عيون لا تنام” – “الراقصة والطبال” – “النمر الأسود” – “الحب فوق هضبة الهرم”- “البيه البواب” – “زوجة رجل مهم” – “ضد الحكومة” – “كابوريا” – “البرىء” ، بينما كان فيلم “حليم” هو آخر أفلام الراحل أحمد زكي والذي قام بتمثيله أثناء فترة مرضه الشديدة والذى جسد به شخصية عبد الحليم حافظ

 

لقطة من فيلم البية البواب
صورة من فيلم البية البواب

قدم فتى الشاشة الأسمر  كما أطلق عليه النقاد عدد من الأدوار التلفزيونية المتميزة أبرزها مسلسل “الأيام” الذي جسد من خلاله قصة حياة الأديب الكبير طه حسين، والمسلسل الدرامي الاستعراضي “هو وهي”

منذ أن ارتقى أحمد زكي إلى مرتبة نجوم الصف الأول في السينما العربية وأصحاب البطولات، لم يشهد تاريخه الفني تراجع واحد أو فشلاَ ذريعاً، فظل متألقاً محتفظاً بمكانته إلى أن توفي في 2006، وكان يمتلك أحمد زكي شعبية طاغية خاصة بين الشباب، وتمكن من تحقيق قاعدة جماهيرية عريضة، ، فقد كان زكي يمثل القدوة والمثل الأعلى بالنسبة لشباب الثمانينات والتسعينات، فكانوا يقلدون أساليب تصفيفه لشعره وخاصة قصة (كابوريا)، التي انتشرت بين الشباب المصري في أعقاب طرح فيلم كابوريا في 1999 .

صورة من فيلم كابوريا
صورة من فيلم كابوريا

هالة فؤاد هي الزوجة الوحيدة في حياة الراحل أحمد زكي ، وهالة هي ابنة المخرج المصري أحمد فؤاد، والتي عملت لفترة في مجال التمثيل، التقت خلالها بزكي ونشأت بينهما قصة حب انتهت بالزواج، ورُزِق زكي منها بابنه الوحيد هيثم، ولكن تصاعدت الخلافات بينهما وانتهت باتفاقهما على الانفصال، ولكن مشاعر زكي تجاهها لم تنته بانفصاله عنها، ورفض رفضاً تاماً أن يتزوج من أخرى، وتوفيت في عام 1990 وكان لذلك الخبر وقع الصاعقة على أحمد زكي ،الذي أصيب بحالة من الاكتئاب يقول المقربون منه إنه لم يتخلص منها حتى وفاته .

 

احمد ذكى وزوجته
احمد ذكى وزوجته

نال الفنان “أحمد زكي” العديد من الجوائز والتكريمات خلال مشواره الفني حيث حصل علي جائزة مهرجان الإسكندرية عن فيلم “امرأة واحدة لا تكفي” عام 1989، وجائزة مهرجان القاهرة السينمائي عن فيلم “كابوريا” 1990، كما حصل على جائزة أحسن ممثل عن فيلم “أيام السادات” عام 2001، وجائزة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن فيلم “معالي الوزير” عام 2002 بالإضافة إلي احتكاره لجوائز أفضل ممثل مصري عدة أعوام متلاحقة

في يوم 27 مارس 2005 توفي الفنان “أحمد زكي” إثر صراع طويل مع مرض سرطان الرئة، حيث دخل المستشفى في حالة صحية حرجة نتيجة لمضاعفات الورم السرطاني في صدره وانتشاره إلى الكبد والغدد اللمفاوية في البطن وقد أصيب به نتيجة إفراطه في تدخين السجائر وعدم الانصياع لتخذيرات الأطباء، رحل  أحمد زكى وهو لا يمتلك إلا 130 جنيها فقط، بحسب ما أكد أصدقائه بعدما تصدق بمعظم أجره عن فيلمه الأخير لعلاج فنان شاب أصيب بنفس المرض، كما دفع نفقات “العمرة” لثلاثة موظفين في مستشفى “دار الفؤاد”، وأوصى ابنه “هيثم” بأن يعتمد على نفسه .

 

أحمد ذكى مع ابنه هبثم
أحمد ذكى مع ابنه هبثم

أحمد زكي هو أحد القلائل الذين تمكنوا من إيجاد حلاً لأعقد المعادلات الفنية، وهي تحقيق النجاح الجماهيري وفي ذات الوقت الحظي بإشادة وتقدير النقاد، فقد حققت أفلام أحد زكي نجاحات مبهرة على مستوى شباك التذاكر، دون أن يُخل ذلك بمستواها الفني، وأغلب أفلامه تعد من العلامات في تاريخ السينما المصرية، كما إن عدد منها تم تصنيفه ضمن قائمة أفضل مائة فيلم عربي في التاريخ , وبراعة أحمد زكي التمثيلية تتمثل في قدرته على التنوع وتجسيد الشخصيات المتباينة كما كان أحمد زكي يمتلك موهبة إضافية بجانب موهبته التمثيلية الفائقة والطاغية، وهي قدرته الفريدة على تجسيد الشخصيات الحقيقية، وهي أمر يعتبره أغلب النقاد موهبة مستقلة بذاتها، انفرد بها عدد قليل من الممثلين حول العالم، كان أحمد زكي من بينهم

ahmed

ومن الجدير بالذكر أن أحمد زكي  عاش نفس المعاناة التي عاشها الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، فهما شريكان في رحلة الألم والفن، كل منهما تربى وعاش يتيما متألما و أصيبا “بالبلهارسيا” من الترعة نفسها الموجودة في بلديهما “الزقازيق”، وكلا منهما كان له طموح كبير في الفن وحقق ما يصبو إليه في ظل معاناة وصدمات عنيفة فالتشابه كان أيضاً في رحلة النهاية مع المرض، حيث أصيب “عبد الحليم” بأزمة صحية رحل على إثرها، ومن كأس المرض نفسها شرب “أحمد زكي”، والأغرب أن رحيل الاثنين كان في مارس والأغرب أكثر وأكثر، أن رصيد “حليم” في السينما بلغ نفس رصيد “زكي” نحو 56  فيلماً ، باستثناء فيلمه الأخير حليم الذى توفى قبل أن يكمله، ولذلك كان احمد ذكى يعتبر تجسيد شخصية عبد الحليم حافظ حلم شخصي له .

 

صورة من فيلم حليم
صورة من فيلم حليم

 

 

 

 

 

 

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares