الثائر والفيلسوف أبو العلاء المعرى – ويلاً لرجلاً سبق عقله زمانه !

عبقري متميز تجاوز زمنه ومجتمعه إلى أفق أرحب واسع لا يعرف الحدود في الفكر والفلسفة والأدب، فواجه التعصب والتكفير , انه  شاعر وفيلسوف المعرة ،  لُقب بـرهين المحبسين  محبس العمى ومحبس البيت , وذلك لأنه قد اعتزل الناس بعد عودته من بغداد حتى وفاته

إن الألمام بسيرة الأديب والفيلسوف “أبي العلاء المعرّي” ليس أمرًا سهلًا، لِكَونها قد اكتنفها العديد من الأخبار المغلوطة، وأخرى تحتاج إلى تحقيق ابرزها التُّهم الموجهة إليه، والأقوال المنقوله عنه , اليوم نبحر معاً برحلة عبر التاريخ مع أبو العلاء المعري

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري ، ولد في معرة النعمان  في سوريا حالياً عام 363هـ  ولذلك سمي أبو العلاء المعري , فقد بصره في الرابعة من العمر نتيجة لمرض الجدري. فكان يقول: لا أذكر من الألوان سوى الأحمر، لأنه أُلبِس حين أُصيب بالجدري ثوبًا لونه احمر .

بدأ يقرأ الشّعر في سن مبكرة ، ثم ذهب للدراسة في حلب وأنطاكية ، وغيرها من المدن السورية. فدرس الحديث ، والأدب، والفقه ، والتفسير، وعلوم اللغة، و النحو والشعر ,  ولم يكن ذلك غريب على عائلته ، ففيهم القضاة والفقهاء والشعراء، كما دل شعره ونثره على أنه كان عالماً بالأديان والمذاهب  ، وكان آية في معرفة التاريخ والأخبار. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة  .

اتسم بذكاءه المفرط وسرعة حفظه، وتوقّد بصيرته، وقد اتفق على ذلك كل من ترجم له أو ذكَره، أو الْتقى به  ، وكذلك جراءته، فقد كان على الرغم من شدة حيائه جريئًا، لا يخاف في الحق الذي يعتقده لومة لائم  ، بالإضافة الى تعففه وعزّة نفسه، كما أنه رفض الأموال والمناصب ، وﻟﻢ يقبل اﻟﻤﺴﺎﻋﺪة ﻣﻦ أﺣﺪ  ،  كذلك زهده ، فقد كان زاهدًا في الدنيا ، غير مبالٍ بالملذات، وكان ذلك ظاهرًا في ملبسه ومسكنه وتصرّفاته .

سافر المعري إلى وسط بغداد لفترة وقابل علماءها ، واجتمع عدداً كبيراً من التلاميذ الذكور والإناث للاستماع إلى محاضراته عن الشعر والنحو والعقلانية. وإحدى الموضوعات المتكررة في فلسفته كانت حقوق العقل (المنطق) ضد ادعاءات العادات والتقاليد والسلطة .

وقد كان عزم على اعتزاله الناس وهو في بغداد ،  خصوصاً بعد أن ورد إليه خبر وفاة والده، وقد عزز فكرة ذهابه عن بغداد أنه رأى تنافس العلماء والرؤساء على الجاه، وتيقن “أن الدنيا  مفطورة على الشرور ، عاش المعري بعد اعتزاله زاهداً في الدنيا، معرضاً عن لذاتها، لا يأكل لحم الحيوان حتى قيل أنه لم يأكل اللحم لمدة  45 سنة ، ولا ما ينتجه من سمن ولبن أو بيض وعسل، فقد كان يرى أن هذا إنتهاكًا لحقوق الحيوان ونصح آخرين بعدم صيد الحيوانات وأكلها؛ شفقة عليها.ولا يلبس من الثياب إلا الخشن  وقد كان يصوم طول العام و يفطر في عيد الفطر و عيد الأضحى ، و كان يرى أن الدنيا زائلة و أن الآخرة هي دار البقاء .

تعددت الآراء حول آراء المعري في الدين وهناك خلاف في هذه المسألة , فهناك رأي يقول بأن المعري من المشككين في معتقداته، وندد بالخرافات في الأديان. وبالتالي فقد وصف بأنه مفكر ضال فاسق، وقد اتهمه الكثير من العلماء  بالزندقة والكفر كأبن كثير، وابن القيم الجوزية وأبو الفرج بن الجوزي , وذلك لأنه كان يناقش العديد من القضايا الإسلامية مع طلابه ، كما أن أعداءه إستندوا لهذا الإتهام على إمتناعه عن الزواج و أكل اللحوم وهي من سنن الإسلام

كما كان .يؤمن بأن الدين ”خرافة ابتدعها القدماء ”  لا قيمة لها إلا لأولئك الذين يستغلون السذج من الجماهير وخلال حياة المعري ظهر الكثير من الخلفاء في مصر وبغداد وحلب الذين كانوا يستغلون الدين كأداة لتبرير وتدعيم سلطتهم

يرى بعض الباحثين أن المعري قد انتقد العديد من عقائد الإسلام، فقد أعرب عن اعتقاده بأن طقوس تقبيل الحجر الأسود في مكة المكرمة من خرافات الأديان  ، كما يزعم بعض المستشرقين أن المعري رفض مزاعم “الوحي الإلهي”. فقد كانت عقيدته هي  عقيدة الفيلسوف والزاهد، الذي يتخذ العقل دليلاً أخلاقياً له، والفضيلة هي مكافأته الوحيدة  و ذهب في فلسفته التشاؤمية إلى الحد الذي وصى فيه بعدم إنجاب الأطفال كي نجنبهم آلام الحياة.  وحرم على نفسه أيضا الزواج رغم شعره الغزلي في النساء .

بينما يرى اخرون ان المعرى كان عابد زاهد فيقول الدكتور طه حسين إن:  أبا العلاء قد هداه عقله إلى أن لهذا العالم خالقاً، وإلى أن هذا الخالق حكيم. لا يشك في ذلك، أو على الأقل لا يظهر فيه شكاً .

و يرى المفكر شوقى ضيف أن من الواضح أن المعرى  لا يهاجم الديانات نفسها وإنما يهاجم أصحابها, وفَرْق بين أن يهاجم الإسلام والمسيحية واليهودية, وبين أن يهاجم المسلمين والنصارى واليهود وأن يثبت عليهم في عصره نقص عقولهم, فقد اختلف أصحاب كل دين، وتوزعوا فرقًا كبيرة، ويكفي أن نعرف أن المذهب الإسماعيلي الفاطمي كان يسيطر في عصره على مصر والشام مع في أصوله وفروعه من انحراف، وقد هاجمه وهاجم الفرق الشيعية في اللزوميات ورسالة الغفران، كما هاجم كثيرًا من الفرق الأخرى، مثل النصيرية القائلين بالتناسخ والصوفية القائلين بالحلول، فإذا هتف بأن من يتبعون أمثال هذه المذاهب لا عقول لهم لم يكن معنى ذلك أنه يهاجم الاسلام، إنما يهاجم المسلمين بعصره، وبالمثل النصارى واليهود

و قد قام أبو العلاء بالرد على أعداءه لكن الناس لم يدعوه و شأنه لذلك قام بإعتزال الناس جميعًا في بيته   ، حتى وافته المنية فكانت علته ثلاثة أيام،  وتوفى في عام 1057م عن عمر يناهز 86 عاماً، ودفن في منزله في معرة النعمان  , ورُوي أنه لما أحسّ بدنوّ أجله أوصَى أن يُكتب على قبره: (ما جناه أبي عليَّ، وما جنيتُ على أحد .)

 

صورة ذات صلة

 

من أهم أعماله :  ديوان سقط الزند وهو أول مجموعة شعرية ظهرت له ، وقد لاقت شعبية كبيرة، وأسست شعبيته كشاعر , واللزوميات التي تعرف باسم لزوم مالا يلزم، وهي ثاني مجموعة شعرية له، ورسالة الغفران التي كانت ثالث أعمال  واشهرها  والتي تعد  أحد الكتب الأكثر فاعلية وتأثيراً في التراث العربي، وهو كتاب يركز على الحضارة العربية الشعرية ولكن بطريقة تمس جميع جوانب الحياة الخاصة، ويحكي فيه زيارة الشاعر للجنة ورؤيته لشعراء الجاهلية العرب هناك، وذلك بعكس المعتقدات الإسلامية أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأكثر ما يثير الاهتمام في رسالة الغفران هو عبقرية المعري في الاستطراد، والفلسفة العميقة، والبلاغة المذهلة

ثم يأتي كتاب “فقرات وفترات” أو “فصول وغايات”، وهو من اكثر كتبه أثارة للجدل وهو عبارة عن مجموعة من المواعظ  على هيئة مجموعة شعرية مماثلة لأسلوب القرآن الكريم  ، ويفترض بعض العلماء أن المعري كتبها لإثبات أن لغة القرآن ليست معجزة، ولكنها تبدو كذلك بالنسبة للبعض بسبب تبجيلها لمئات السنين. ولكن ليس كل العلماء يتفقون مع هذا التفسير

ولقد شهد جميع شعراء عصر المعري بفطنته وحكمته وعلمه، ولقد ألف العديد من معاصريه، ومن بعدهم كتباً ودراسات حول آراء المعرّي وفلسفته، كان المعرى معجزة كبيرة جمع فيها الأدب والفلسفة والتراث والجدل والعلوم حتى النجوم، مما أبهر عظماء عصره حتى المستشرقون من مختلف بقاع الدنيا تناولوا المعري كظاهرة أدبية وفكرية فارقة في الحضارة العربية لما كان له من تأثير بليغ في الأدب والفكر سواء العربي منه أو العالمي .

 

 

 

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares