الخنساء أم الشهداء – شاعرة العرب في الجاهلية والإسلام !

هي أشهر شاعرة عرفها الأدب العربي قديماً وحديثاً ، أشتهرت بشعرها المميز في الرثاء حتى أصبحت علماً به , فهى واحدة من أولئك الشعراء المخضرمين الذين ولدوا في الجاهلية وأدركهم الإسلام وعاشوا زمناً به ، هي تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمية ، من آل الشريد من سادات وأشراف العرب وملوك قبيلة بني سليم في الجاهلية ،  لُقبت بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه ، ويقال  أنه من صفات الظباء

كانت ذات حسب وجاه وشرف وجمال أّخاذ، وتقاسيم متناسقة… لذا شبهوها بالبقرة الوحشية. والعربي إذا تغزل في الأنثى، وأراد التعبير عن جمالها، شبهها بذلك. لكن هذا التشبيه لتماضر لم يكن في معرض غزل طارئ، وإنما هو تشبيه صار لها لقباً غالبا على اسمها وكنيتها  ، كانت العاقلة الحازمة، حتى لقد عدت من شهيرات النساء وعًرفت بحرية الرأي وقوة الشخصية

 تقدم لخطبتها “دريد بن الصمة” سيد بنى جشم  وكان فارس لا يخاف شيئاً، فقد شارك في نحو مائة معركة، ما أخفق في واحدة منها ، لكنها رفضته ومن قبله رفضت سيد آل بدر وأبت أن تتزوج رجل من قبيلتها ،  وحين حاول معاوية أخوها أن يُكرِهها على الزواج من صديقة دريد بن الصمة، لجأت الي صخر ليكون لها عوناً ، فتحقق به ما رغبت و تزوجت من رجل من قبيلتها اسمه عبد العزى السلمي أنجبت منه ابنها “أبا شجرة” او عبدالله ، عاشت الخنساء معه حياة بائسة بعد أن تبين لها أنه مقامر .

حاولت الخنساء أن تمسك عليها زوجها، فضّحت في سبيل ذلك بالكثير.. غيرت من طبيعتها وكبريائها، بل إنها بالغت في ذلك لدرجة جعلته يشعر بتعلقها به. فغالى في انحرافه، واستغل حرصها عليه أسوأ استغلال، وانتهز مالها ومال أخيها، حتى سأمت وتطلقت منه , ولم يطل بالخنساء المطال حتى تقدم اليها مرداء بن أبي عامر السلمي، الملقب بالفيض لسخائة..  تزوجته وأنجبت منه يزيد ومعاوية وبنتاً اسمها عمرة  .

لم يطب العيش للخنساء حتى اصابتها نوائبه متتالية ، فكان أولها فقد أخيها معاوية بعد أن قتله بنى مرة إثر خلاف نشب بينهما ، فأنطلق صخر يطلب الثأر لأخيه معاوية فذهب الى قوم بنى مرة وأسترد فرس أخيه وتوعدهم بالثأر وغزاهم وحقق الأنتصار عليهم وقتل منهم عدداً كبيراً لكنه لم يشف غليله منهم لمقتل أخيه فظل يحاربهم حتى أصابه جرح بأحدى معاركه ألزمه الفراش حتى توفى ، انهارت الخنساء، فقد مات عزها ومؤنسها وملجؤها وحاميها، ولذا وجت به اعظم الوجد، وولهت أشد الوله، واقامت على قبره زمانا تبكيه وترثيه , ليكون موت صخر تاريخ ميلاد شاعرة عربية جديدة حيث كشف للعرب عن شاعرة بني سليم تماضر، نظراً لكثرة ما قالت فيه .

وكثير من الدّارسين أخذوا عليها قلّة شعرها في رثاء معاوية  ،  والحقيقة أنّ شعرها في معاوية ليس قليلاً في حدّ ذاته، ولكنّه قليلٌ إذا قيس بشعرها في صخر، فهل كان ذلك بسبب الصّدمة المفاجئة، والتي تنضم إلى صدماتها السّابقات، فتلجم لسانها وتُجمّد عَبَراتها؟ أم هو الخوف على أخيها صخر من أن تهيّجه أشعارها، فيندفع – وهو الذي لا يبخل في سبيلها- إلى حتفه، وعندئذ تفقد الإخوة، مثلما فقدت الأخ والأب؟

وقف زوجها الى جوارها وواساها في فقدانها لأخيها وكذلك صخر وكان مرداء رجل جد وعمل يسعى ليوفر لأسرته اسباب الحياة، حتى مات في احدى مغامراته تاركاً للخنساء  أربعة من الأبناء ، وتهتز الخنساء لفقد زوجها وتقول قصيدة  رائعة ترثيه بها ، حين انتشر نور الإسلام، اصطحبت الخنساء بنيها وبني عمها من بني سليم وافدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلنوا دخولهم في الدين الجديد  ، أسلمت في العام الثامن للهجرة , وهي في الخمسين، وحسن إسلامها , ولقد كان الرسول يستنشدها شعرها، ويستزيدها – وهو مصغ إليها- بقوله: “هيه يا خناس! ويومئ بيده ،  وقد أبى عليه قلبه الكبير ان يلومها ، وقد ضربت الخنساء المثل والقدوة في الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وفي الشعر غلبت فحول الشعراء، وبحكمتها أسكتت وأبهرت الحكماء والبلغاء , وخير مثال على ذلك معركة القادسية فنراها تتوسط بنيها الأربع  تحرضهم على القتال وتقول ) يا بني  إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين, اعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية،  حتى استشهدوا جميعاً في حرب القادسية. وبلغها الخبر مع الجيش العائد محملاً بالظفر، فقالت: “الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته”.  قالتها ولم تزد عليها “.

واستقبلت ثكل الأبناء صابرة محتسبة ،  فهو الإسلام وما يفعله في النفوس , فهى التي من قبل ظلت تبكى اخاها لسنوات طويلة , الان تستقبل وفاة أبنائها الاربعة دفعة واحدة بالصبر والاحتساب ، عدت الخنساء أعظم شعراء الرثاء. ويغلب على شعر الخنساء البكاء والتفجع والمدح والتكرار لأنها سارت على وتيرة واحدة تميزت بالحزن والأسى وذرف الدموع , وقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها ، وبرغم أنها كانت شاعرة متمكنة من اللغة لها قصائد كثيرة إلا أن شهرة الخنساء قد ذاعت وانتشر صيتها في كل مكان من خلال مراثيها لأخيها صخر التي ذاعت وتداولها الناس في الجاهلية .

ماتت الخنساء في الرابع والعشرين من الهجرة عن عمر يناهز الواحد وسبعين عاماً ، وقد طبقت شهرتها الآفاق وجمعت أشعارها في ديوان شعرى مطبوع ، وتعتبر الخنساء  من المخضرمين لأنها أدركت عصرين هما: عصر الجاهلية وعصر الإسلام  فقد كانت شاعرة مجيدة .

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares