الرئيس الباكي لولا دا سيلفا | عامل النظافة الذى أصبح أعظم الرؤساء

26177325_10155477202352669_879633021_n

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تساءلت، وأنا أتابع الاستعراض الرائع لمراسيم انتهاء دورة لندن للألعاب الأولمبية  لماذا اختار البرازيليون في لحظة تسلمهم راية الدورة الاولمبية القادمة، التي ستقام في بلادهم، عامل نظافة يحمل مكنسته على كتفه في أول لقطة ؟ , كنت أتوقع أنهم سيختارون لاعب كرة قدم شهيراً باعتبار البرازيل أفضل دولة باللعبة. إلى أن وجدت الاجابة !

 سبب اختيار البرازيليين لعامل النظافة  المبتسم والخفيف الظل هو إكراما لرئيس دولتهم السابق “لولا دا سيلفا” ، الذي أحبوه حتى سموه “ابن البرازيل”. كان الرئيس المحبوب يعمل جامع قمامة  قبل توليه الرئاسة , ولقب بأشهر رجل في البرازيل  بالأضافة إلى حصوله إيضا على لقب أشهر رجل في العالم … و ذلك عن طريق محاولاته الجادة من أجل وقف عمليات تصنيع الأسلحة ، هذا و من الجدير بالذكر أنه قد لعب الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا دورا كبيرا في تطوير العلاقات الدولية الأخيرة ، و يضمن ذلك البرنامج النووي لإيران ومشكلة الاحتباس الحراري . و قد تم وصفه بأنه “رجل صاحب أفكار جريئة من أجل تحقيق التوازن بين الأمم ” .

ولد لويس أغناسيوس دا سيلفا في أكتوبر 1945. بمدينة جارانهونس الفقيرة حيث عاش الهنود الحمر آلاف السنين، قبل أن يأتي البرتغاليون، ليختلطوا ويتزاوجوا معهم، كان دا سيلفا الطفل السابع لعائلته المكونة من 8 أطفال تركهم والدهم العنيف لأمهم الأمية، وهرب وتزوج من ابنه عمه بعد قصة حب سرية بينهما

لذلك اضطرت امه أن تسكن في غرفة واحدة في منطقة فقيرة , غير أن الأم التي بكى عليها دا سيلفا حين وفاتها ، كانت تتمتع بعزم كبير وأسهمت في تربية وتكوين شخصية دا سلفيا، الذي قال عنها «لقد علمتني كيف أمشي مرفوع الرأس، وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون».

اضطر دا سيلفا للتوقف عن تحصيله الدراسي في الصف الخامس الابتدائي بسبب المعاناة والفقر والظروف الصعبة التي كانت تمر بها العائلة. ولكن تلك الظروف الصعبة ساهمت في بناء شخصيته، ترك الدراسة ليعمل صباغ أحذية، ثم بائع مناديل ورقية بالشوارع. ثم انتقل ليصبح بائع خضراوات وصبياً في ورشة للنجارة. وظل يتنقل بين هذه المهنة وتلك حتى اشتغل عاملا ميكانيكيا في محل للخراطة وتصليح السيارات

وأثناء عمله في الخراطة قطع الإصبع الصغير من يده اليسرى وهو في سن الـ 19. وكان السبب في هذا هو إهمال صاحب المصنع الذي كان يعمل به. وبعد هذا الحادث انضم دا سيلفا إلى نقابة عمالية بهدف تحسين أوضاع العمال. لأنه عانى الكثير ليحصل على علاج ,  لكن كل هذه الظروف جعلت منه رجلًا قويًا

 

Related image

 

بعد سنوات انتهى به الحال كمتخصص في التعدين بعد ان نجح في الحصول على دورة تدريبية لمدة 3 سنوات ظهر اجتهاد دا سيلفا في أوائل العشرينيات من عمره، عندما مارس العمل النقابي ونجح فيه بمساعدة أخيه فريرا دا سيلفا. واستطاع أن يحتل منصب نائب رئيس نقابة عمال الحديد في عام 1967  بعد أن تخلى أخوه عن المنصب. بعد ذلك تم انتخابه رئيسًا للنقابة

 

Image result for young Lula_da_Silva

 

في عام 1980  وأثناء إضراب للمصانع في مدينة ساو باولو في فترة سيطرة الجيش على الحكومة ترأس خطاب لنقابات العمال الصناعيين، وكانت خطاباته مشجعة ضد الحكومة , فأدى ذلك إلى احتجازه لمدة شهر , ثم حكمت علية المحكمة العسكرية بالسجن لمدة 3 سنوات ونصف بتهمة التحريض، ولكن أطلق سراحه في عام 1982 وفي نفس العام شارك في أول انتخابات لحكومة ساو باولو ولكنه خسر.

وقد قام بترشيح نفسه للرئاسة وخسر فى ثلاث محاولات متتالية ، ورغم من ذلك لم ييأس وأنما زاد من أصراره وبقي قوي في المعارضة , وكان حزبه حزب العمل ينمو باستمرار حتى تمكن من النجاح فى الإنتخابات الرئاسية , وذلك في عام 2003 بعد أن حصل على أكثر من 51 مليون صوت بنسبة (62%) من اجمالى عدد الأصوات , ليصبح لولا دا سيلفا أول رئيس يساري منتخب منذ إنشاء جمهورية البرازيل , وتمكن من أن يتولى الرئاسة دورتين متتاليتين حتى سنه 2011 وهنا أصبح “لولا ” المتصرف الأول والمؤتمن على موارد البرازيل و ثرواتها و ذلك لمدة ثمان سنوات حتى أنتهت مدة رئاسته ، كرس قوته لخدمة الفقراء وأوصل البرازيل في ٨ سنوات لمصاف الدول المتقدمة

 

Lula at a campaign rally for President Dilma Rousseff in October 2014

 

يحظى الرئيس لولا دلا سيلفا بشعبية كبيرة في البرازيل وخاصة الطبقة الفقيرة وأطلقوا عليه لقب “بطل الفقراء” نظرًا لعمله البطولي من أجل فقراء البرازيل حيث استطاع اقناع العديد من رجال الأعمال والطبقة المتوسطة بالالتفاف حول الفقراء. كما قام بوضع العديد من البرامج الإجتماعية التي أسهمت إلى حد كبير في التقدم الذي حدث في البرازيل. ، كما يعتبر لولا دا سيلفا خبيرًا اقتصاديًا وفقاً للعديد من التقارير برغم من افتقاره للخلفية الأكاديمية . فلقد اقترح دا سيلفا تمويل برنامج لمكافحة الفقر من خلال فرض ضريبة على صفقات الأسلحة في العالم

 

 

عندما فاز دا سيلفا أول مرة برئاسة جمهورية البرازيل سبب هذا خوفاً في قلوب الرأسماليين , وذلك بسبب فكر دا سلفا الاشتراكي اليساري، ولكنهم وبعد فترة قصيرة تنفسوا الصعداء . حيث كانت البرازيل على شفا الهاوية، وهى الآن تتمتع بفائض يزيد عن 200 مليار دولار واصبحت صاحبة أقل نسبة غلاء من دول العالم الثالث، وذلك بفضل مجهودات دا سيلفا في تحقيق العدالة الاجتماعية , وتحديث الجيش حيث أصبح أكبر جيش في أمريكا الجنوبية ويتكون من 370 ألف عسكري . وطبقت البرازيل نظام التجنيد الإجبارى لمن هم في سن 21 إلى 45 عامًا وذلك خلال مدة تتراوح ما بين 9 إلى 12 شهرًا . اما عن ما يخص المتطوعين في الجيش فهؤلاء تبدء خدمتهم من سن17 عامًا.

حدثت تحولات كبيرة في أقتصاد البرازيل وذلك بفضل المنهج الذي وضعه  دا سيلفا لبناء الدولة، وهذا المنهج يتمثل في الديمقراطية والسياسة المتوازنة بين البرامج الاجتماعية للأسر الفقيرة إلى جانب التصنيع والتصدير وذلك اعتمادًا على عدد كبير من الشركات العملاقة. وبفضل هذا المنهج الذي سار عليه لولا دا سلفيا،  أحتلت  البرازيل  المرتبة الثامنة كأكبر اقتصاد على مستوى العالم .واستطاع اخراج أكثر من 20 مليون شخص من تحت خط الفقر وتحسين حالتهم المادية . وبالرغم من انهيار البورصة البرازيلية عندما فاز دا سيلفا بالرئاسة، إلا أن دا سيلفا نجح في احتواء رجال الأعمال بالتوازى مع برامج مكافحة الفقر ,  كل هذه الجهود جعلته جدير بأن يكون رمز عالمي للفقراء في جميع أنحاء العالم ” وأطلق عليه (نصير المحرومين) و(زعيم الفقراء)كما حصلت ريو دي جانيرو على فرصة تنظيم دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2016، لتكون  هى المرة الأولى التي ستعقد بها دورة الألعاب الأوليمبية في أمريكا الجنوبية  و قد اعتمد على مجموعة من الشركات الكبيرة التي تنتج السيارات والطائرات، بالإضافة إلى مصانع المنتجات الغذائية مثل اللحوم والدواجن وهكذا قدم دا سيلفا مثالاً للرئيس الاشتراكي الذي يضع الهيكل الرأسمالي لشعبه كما أدى انخفاض سعر الريال البرازيلى إلى زيادة صادرات البرازيل وبفضل مجهودات الرئيس دا سيلفا أصبحت البرازيل من ضمن قائمة الدول المؤثرة في الخمس عشرة سنة المقبلة  وهناك توقعات بأنه بحلول عام 2040م سيكون اقتصاد البرازيل أكبر من اقتصاد ألمانيا واليابان معًا، نظرًا لمقوماتها الاقتصادية الضخمة في مجالات الزراعة والصناعة والاكتشافات البترولية الجديدة. وقد نجح الرئيس لولا دا سيلفا في تطبيق برنامج “بولسا فاملى”؛ وهو برنامج لتحسين الأوضاع الاجتماعية، حيث حُسنت أوضاع 8 ملاين أسرة فقيرة، وذلك بتوفير دخل بحد أدنى 160 دولارًا. ولقد بلغت تكلفة هذا البرنامج أكثر من 80 مليار ريال برازيلى . وتم تمويل هذا البرنامج من خلال الضرائب التصاعدية التي تمثل أكثر من 40 % .  واشترط على كل الأسر المستفيدة من هذا البرنامج أن يواظب أبنائهم على الدراسة. والهدف الأساسى من تطبيق هذا المشروع هو تخفيف وطأة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية. ومن إنجازاته أيضاً ذهابه إلى محطة وقود في مدينة ساوبولو، تابعة لشركة «بتروبراس»، ذات اللون الأخضر (إشارة إلى الطاقة النظيفة)، وملأ سيارة بالطاقة، وأعلن أنه لم تعد في كل البرازيل سيارة تسير بالجازولين فقط، وأن كل السيارات صارت تستعمل «اثانول»، أو مخلوطا مع الجازولين.  كما  قد قام بأبلاغ شعبه اثناء فترة الرئاسة التى عمل بها كل ما يخص البرازيل وخططها ومواردها و لهذا السبب استطاع ان يتولى ثقتهم لأنه نجح بكل مهارة في تسديد ديون البرازيل بسجلات صندوق النقد الدولي ليس بالموعد المحدد لتسديدها وانما أستطاع تسديدها قبل الموعد المحدد بعامين كاملين .

اصطبغت حياة الرئيس لولا دا سيلفا الأسرية بطبيعة مشوار الكفاح الذي خاضه من أجل تحقيق النجاح، ففي عام 69 تزوج من ماريا دى والتي توفيت بعد عام واحد بسبب مرض التهاب الكبد الوبائي.  وفي عام  74تزوج من ” ماريزا ليتسيا ” والتي أصبحت السيدة الأولى في البرازيل وأنجب منها 5 أبناء

عند انتهاء فترة ولايته الثانية خرج الشعب بالملايين للمطالبه بتعديل الدستور ليبقي لولاية ثالثة . فخطب فالجماهير وهو يودعهم قبل ان يغادر القصر الرئاسي وهو يبكى قائلاً  :(ناضلت قبل عشرين سنه ودخلت السجن لمنع الرؤساء ان يبقوا في الحكم أطول من المدة القانونية ، كيف اسمح لنفسي ان افعل ذلك الان ) وقام بتسليم السلطة لخليفته في الرئاسة “ديلما روسيف” لتكون أول إمرأه برازيلية تتولى منصب رئيس البرازيل وقام دا سيلفا بمغادرة القصر الرئاسي

 

Image result for Lula_da_Silva

 

ومن المثير للدهشة اتهامه بالفساد وتبييض الأموال في قضية ، والحكم عليه مؤخراً بالسجن لقرابة العشر سنوات بدعوي انه استغل أموالاً بلغت مليون ريال برازيلي لترميم مزرعة تقع في ولاية ساو باولو , وينفي لولا الذي لا يزال طليقاً بانتظار حكم الاستئناف، كل التهم الموجهة إليه ويقول إنه ضحية مؤامرة تهدف إلى منعه من الترشح على الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2018

نال الرئيس لولا دا سيلفا العديد من الجوائز والأوسمة أهمها : وسام الاستحقاق البرازيلي  و جائزة « فيليكس هوفوية- بوانيى للسلام » من اليونيسكو ’ بالإضافة إلى أن  لولا دا سيلفا هو الشخص الوحيد في أمريكا اللاتينية الذي ورد اسمه في قائمة ال50 شخص الأكثر نفوذًا من زعماء العالم وتم تجسيد سيرته الذاتية في فيلم “لولا ابن البرازيل” Lula – Brazil’s Son وهو الأعلى تكلفة في تاريخ البلاد ، حيث بلغت تكلفة إنتاجه 17 مليون ريال برازيلي. وقد نافس الفيلم على جائزة أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية التي تمنحها الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون السينمائية.

استطاع هذا الرئيس الفقير وغير المتعلم، خلال 8 سنوات من الحكم، وضع بصمته على اقتصاد البرازيل ، وهذا الرئيس الفقير هو الذي جعل البرازيل ودولاً أخرى في أمريكا اللاتينية، تعترف بدولة فلسطين متحدياً إسرائيل وأمريكا والصهيونية العالمية، وكل الجهات التي تقف خلفها أنه الرئيس الباكى الذى اشتهر ببكائه في كثير من المواقف الأنسانية , فقد بكى أمام حشد بمسقط رأسه في ولاية بيرنامبوكو التي ولد فيها فقيراً قبل 65 عاماً. حينما استحضر ذكريات نشأته وهو طفل فقير ثم بكى ثانية حينما استحضر ذكرى فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2002 بعد 3 هزائم متتالية.

 

Image result for Lula_da_Silva

 

نادراً جداً ما يبكي الرؤساء، وقلما يكون بكاؤهم صادقاً كبكاء البرازيلي الفقير دا سيلفا الذي لا يحمل أي شهادة سوى شهادة الوفاء والحب لشعبه .

 

 

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares