بيتهوفين .. ” الأصمّ ” الذي أصبح أسطورة موسيقية !

17357113_10154633474087669_1486056112_o

صرح بيتهوفين ذات مرة لمنتقديه ذات مرة قائلاً “بأنه يعزف من أجل الأجيال القادمة” وبالفعل قد كان فيعود له الفضل الأعظم في تطوير الموسيقى الكلاسيكية , قدم أول عمل موسيقي وعمره 8 أعوام ليس هذا وحسب بل إنه اعتبر واحداً من أبرز عباقرة الموسيقى على مر العصور وأبدع أعمالاً موسيقية خالدة

رغم أنه بحلولِ العُقدِ الأخير من حياتِه صارَ أصمّاً تماماً، إلّا أن صَممه هذا لم يَمنعهُ من إكمالِ مسيرَته التأليفيّة، فقد ألّف أحدَ أشهرِ الأعمال في تِلك الفَترة وهو أصم تماماً

تشمل مؤلفاته للأوركسترا تسعة سيمفونيات وخمس مقطوعات موسيقية على البيانو ومقطوعة على الكمان كما ألّف العديد من المقطوعات الموسيقية كمقدمات للأوبرا كما ألّف أيضاً أعمالاً للصالونِ الأدبيّ وأُخرى للجوقة وأغاني أيضاً

إنه الألمانى فائق الشهرة ” لودفيغ فان بيتهوفن ” الذى يعتبر دون جدال أعظم موسيقى عرفه العالم منذ عصر ذرياب جوهرة الأندلس والتراث العربي والإسلامي

وُلِدَ بيتهوفن في مدينة بون والتي جزء من الإمبراطورية الرومانية المقدسة فى 17 ديسمبر عام 1770 ظهرت موهِبَتُ “بيتهوفن” الموسيقيّة  في عُمرٍ مُبكّر مما دَفَع والِده بعد رؤيّة النجاحات التي حقّقها ليوبولد موتسارت مع طِفليه العباقِرة فولفجانج موتسارت وأختِه ماريا موتسارت دَفَعهُ إلى استِغلالِ ابنِه الذي كانَ في السادسة من عُمرِه لأوّلِ أداءٍ علنيّ له أمامَ الجُمهور عام 1778 على الرُغم من كونِه كان بِعُمر السادسة فقط

 

1382

حَظِيَ بيتهوفن بأساتِذةٌ مَحلّيين مِثلَ غليس فان دين إيدن، وتوبياس فريدريش فايفر وهوَ صديقٌ للعائِلة ، وفرانز روفنتني وهوَ من أقارِبه الذي علّمه العَزفَ على الكمان

كان بيتهوفن يائساً في حياته، فإصابته بالصمم وآلام بطنه المزمنة  التي بدأت في العشرينات من عمره- أدّت به للتفكير بالانتحار مرّاتٍ عديدة وهذا يظهر جليّاً في وصيّته التي أرسلها لأخويه كارل ونيكولس؛ وكان بيتهوفن كذلك سريع الغضب وقد قيلَ بأنّه كان مُصاباً باضطّراب ثُنائي القطب وكان بيتهوفن بالرغم من شخصيّته المزاجيّة، مُحاطاً بالأصدقاء والمُقرّبين طوال حياته، واستمرّ على علاقة مع الناس حتّى آخر يومٍ من حياته

 

3.jpg

تُشير المصادر على أنّ بيتهوفن كان يستحقر السُلطات والمجتمع الطبقي الذي عاش فيه.

وكان لديه اعتزازُ بنفسه، حيثُ كان يتوقّف عن العزف في الحفلات إذا ما صار الجمهور يتحدّثون فيما بينهم أو إذا لم يمنحوه الاهتمام الكافي، كما كان يرفض العزف إذا ما دُعي فجأة لذلك من دون ميعادٍ مُسبق، في النهاية، يُمكن القول أن بيتهوفن لم تنطبق عليه قوانين المُجتمع في عصره، بل كان يتصرّف على طبيعته في جميع الأحوال.

وكانت حياتُه عبارة عن ثورة على الأستقراطية وثورة الفرد على الذلّ والعبوديّة فكان مُتأثّراً بالفِكر التنويريّ

يُذكر أنّ بيتهوفن كان يؤلّف سيمفونيّته الثالثة ليُهديها لابن الثورة الفرنسيّة نابليون ، وفي أثناء ذلك، جاءه تلميذُه فرديناند ريس في إحدى أيّام عام 1804 ليُخبره بإعلان نابليون نفسه إمبراطوراً على فرنسا، فاستشاط غضباً وقال: “إذاً فهو كباقي الناس، جاء ليدوس على حقوق الإنسان، ويتمادى في تحقيق أطماعه الشخصيّة.” واتّجه بيتهوفن إلى المكتب وأمسك بصفحة عنوان السيمفونية من أعلاها

 

وقد خطّ عليها اسم بونبارت، ومزقها بالطول، ورمى بها أرضاً. وانتهى أمره إلى محو اسم بونبارت من عنوان سيمفونيته الثالثة وسماها: سيمفونية البطولة – في ذكرى رجلٍ عظيم

 قسّم المؤرخون حياة بيتهوفن المهنيّة لثلاثِ فترات، فترة مُبكرة ومتوسّطة ومُتأخّرة. تنتهي الفترة المهنيّة المبكرة عام 1802، وتستمّر الفترة المتوسّطة حتّى عام 1814، أمّا الفترة المُتأخرة فتبدأ من 1815 حتّى وفاته

تأثّرت موسيقى بيتهوفن في الفترة المُبكّرة من حياته بموسيقى هايدن وموتسارت، وكانت تلك الفترة فترة تعليمٍ بالنسبة له، حيثُ تعلّم فيها توجّهات جديدة وواسعة في التأليف الموسيقي. وقد ألّف عدّة مقطوعاتٍ شهيرة في تلك الفترة من بينها السيموفيّتين الأولى والثانية، وسُداسيّة الرباعيات الوترية

بينما تبدأ الفترة المتوسّطة من حياته بعد عودته مِن بلدَة هيلنستات إلى فيينا حيثُ تغيّر أسلوبُه الموسيقيّ وبدأ سمعه يَضعُف تدريجيّاً وتُعتبر هذه المرحلة من أكثر المراحل غزارةً في الإنتاج، وقد ألّف في تلك الفترة 6 سيمفونيّات، وآخر ثلاث كونشيرتو للبيانو، وخمس رُباعيّات وترية، والعديد من السوناتات الشهيرة مثل سوناتا ضوء القمر

والسوناتا العاطفية وسوناتا الكمان كما ألّف في تلك المرحلة المقطوعة الأوبرالية الوحيدة فيديليو

بينما تبدأ الفترة المُتأخرة من حياة بيتهوفن المهنيّة في عام 1815، وقد اختلف أسلوب بيتهوفِن في هذه المرحلة حيثُ أنّه وصولاً إلى هذا العام صار أصمّاً تماماً، وتميّزت موسيقاه في هذه المرحلة بعمقها الفكري والابتكار في التأليف. ولعلّ من أشهر ما ألّفه في هذه المرحلة هي السيمفونيّة التاسعة

 

4189

«بيتهوفن» أشتهر أيضاً بالكبرياء حيث كان الموسيقيون فى عصره يعاملون معاملة الجهلاء والخدم، فكانوا يدخلون من الأبواب الخلفية، ثم يجلسون الخدم لتناول الطعام بعد كل حفل موسيقي، أما هو فكان لا يعترف بذلك، وكان يصر دائماً على دخول القصور من أبوابها الرئيسية وذلك أنطلاقاً بأن الفنان إنسان شامخ يجب معاملته على أرقى مستوي، كما أنه كان قارئا مثقفا شديد الاهتمام بالكتب بمختلف أنواعها، فقرأ كثيرا لشكسبير وأفلاطون وقد ساعدته هذه الثقافة كثيراً فى نمو شخصيته الموسيقية

ومن الغرابة أنه عاش طوال حياته دون بيت ودون زوجة ودون وطن، ولم يملك «بيتهوفن» فى حياته أكثر من الإلهام والفكر والبساطة والموهبة وحب الطبيعة.. ولم يملك شيئاً مادياً فى حياته

ورغم أن الصمم لم يمنع «بيتهوفن» من الإبداع، ولم يمنعه من مواصلة تقديم أعظم الأنغام للعالم، وكذلك لم يمنعه من الإستمرار فى البحث عن الجديد , لكن هذا الصمم منع عنه الاحتكاك بالمجتمع، والمعارف بالأصدقاء وهو القائل “الصداقة منبع السعادة”

وتقول إحدى القصص بعد تقديم سيمفونيته السابعة فى «فيينا» – التى تصور مدى إعتزازه بفنه وقدراته – بأن «بيتهوفن» كان يسير مع صديقه الشاعر «جوته» يتحدثان عن الحفل الناجح والسيمفونية السابعة – التى لاقت نجاحاً ملموسا فى أول عرض لها قال «بيتهوفن» أن الملوك والأمراء لا يملكون القدرة على الإبتكار وتقديم الفنون لكنهم يقدمون فقط الأوسمة والألقاب إلى من يشاءون ، لذلك أن أعظم الناس فى العالم هم الكتاب من أمثالك والموسيقيون من أمثالي.. فنحن نستطيع عمل ما لا يستطيع غيرنا عمله « ولكن هذا الحديث لم يعجب «جوته» ولكن بالصدفة كانت تقترب منهما عربة تجرها الخيول فتوقف «جوته» عن السير وخلع قبعته للأمير القادم تحية له أما «بيتهوفن» فأكتفى بابتسامة ساخرة

 توفى «بيتهوفن»  في فيينا سنة 1827م وللحقيقة فإن موته فقد كان هُناك خِلاف بين الباحثين حول سبب وفاة بيتهوفن المُبكّرة فقد اقترحوا عدداً من الأمراض ربما أحدها هو سبب وفاته، وهي: تشمع الكبد، أو الزهري، أو التهاب الكبد الوبائي، أو التسمم بالرصاص، وبعد الدراسات التي أُجريت على جُثمانه بعد استخراجِه عام 1862، أكّد الباحثون أنّ بيتهوفن مات مسموماً بدون قصد وذلك عن طريق تناوله للجرعات التي تحوي نسبةً عالية من الرصاص بموجَب تعليماتٍ من طبيبه.

 

أننا أمام سيرة ذاتية لفنان لاقى الكثير من المتاعب منها الوحدة والنقد والهجوم والفقر واعتلال الصحة والصمم لكنه تغلب عليهما جميعا ونجح بدرجة جعلته يسمو بمشاعر الإنسان ويحاكى شعوب العالم بلغة عالمية لا تحتاج إلى مترجم.

 يا سادة إنه «لودفيج فان بيتهوفن» إمبراطور الموسيقى العالمية الذى إستطاع أن يسعد الشعوب وفشل فى إسعاد نفسه

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares