جابر بن حيان | أبو الكيمياء – المعلم الاول الذى سميت الكيماء بأسمه !

في زمنٍ أصبح يُشار به للمسلمين بقلة وشح الإنجازات في المجالات العلمية نستذكر هذا الرجل الذي مهد الطريق للعلماء من بعده ليطوروا علم الكيمياء ، انه أحد  أعلام العرب العباقرة وأول رائد للكيمياء في العالم ، حتى سمي علم الكمياء قديماً باسم علم جابر , برع في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، وكان أول من استخدم الكيمياء عمليًا في التاريخ ، وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون: “إن جابر بن حيان هو أول من علّم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء”، وقال عنه العالم الكيميائي الفرنسي مارسيلان بيرتيلو في كتابه (كيمياء القرون الوسطى): “إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق “

ولد عبد الله جابر بن حيان على أشهر الروايات في سنة 101 هـ/721 م  ، وقد اختلفت الروايات على تحديد مكان مولده فمن المؤرخين من يقول بأنه من مواليد الجزيرة على الفرات شرق بلاد الشام، ومنهم من يقول أن أصله من مدينة حران في بلاد ما بين النهرين ،  وعمل مع والده في مجال العطارة، ولعل مهنة والده كانت سبباً في بداياته في الكيمياء وذلك لارتباط العلمين , حيث اهتمّ جابر بن حيّان بدراسة الظواهر الخاصة بالطبيعة، وأسباب ظهورها، فكان يسأل والده حول هذه الظواهر الطبيعيّة، والمرتبطة مع الأعشاب والنباتات وطُرق زراعتها، والأضرار والفوائد الخاصة بكلّ منها

ذكرت بعض المصادر، أن والده كان من المناصرين للعباسيين في ثورتهم ضد الأمويين، وقد قُبض عليه وقتله الأمويون، فهربت أسرته إلى اليمن،  حيث نشأ جابر ودرس القرآن والعلوم الأخرى ومارس مهنة والده ،  ثم عادت أسرته إلى الكوفة، بعد أن أزاح العباسيون الأمويين، لذا ينسب أحيانًا بالأزدي أو الكوفي أو الطوسي أو الصوفي

وقد مارس الطب في بداية حياته تحت رعاية الوزير جعفر البرمكي وبتوجيه من الخليفة العباسي هارون الرشيد , ووصفه أنور الرفاعي في كتابه تاريخ العلوم في الإسلام: بأنه كان طويل القامة، كثيف اللحية. اشتهر بإيمانه وورعه، وكذلك بتصوفه وكان يعيش جابر بن حيان في مدينة دمشق القديمة، حيث كان يقضي معظم يوم في غرفة منعزلة يعكف على دراسة الكيمياء ، ولقد بلغ مجموع ما نسب إلى ابن حيان من مساهمات إلى ما يقرب من 3000 مخطوطة، ولقد ضمت تلك المساهمات مؤلفات في علم الكونيات والموسيقى والطب والسحر والأحياء والتقنيات الكيميائية والهندسة والنحو وما وراء الطبيعة والمنطق والفلك ، وقد ترجمت بعض أعماله في الكيمياء إلى اللغة اللاتينية في العصور الوسطى، وانتشرت على نطاق واسع بين الكيميائيين الأوروبيين في العصور الوسطى ، وقد تأثر جابر بن حيان بكتابات الكيميائيين المصريون القدماء والإغريق أمثال زوزيموس الأخميمي وديموقريطس أفلاطون وأرسطو وجالينوس وفيثاغورث وسقراط .

بدأت الكيمياء قديماً خرافية تستند على الأساطير البالية، حيث سيطرت فكرة تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة , وذلك لأن العلماء في الحضارات ما قبل الحضارة الإسلامية كانوا يعتقدون المعادن المنطرقة مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير من نوع واحد، وأن تباينها نابع من الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة الكامنة فيها وهي أعراض متغيرة (نسبة إلى نظرية العناصر الأربعة، النار والهواء والماء والتراب)، لذا يمكن تحويل هذه المعادن من بعضها البعض بواسطة مادة ثالثة وهي الإكسير. ومن هذا المنطلق تخيل بعض علماء الحضارات السابقة للحضارة الإسلامية أنه بالإمكان ابتكار إكسير الحياة أو حجر الحكمة الذي يزيل علل الحياة ويطيل العمر

جاء ابن حيان ليمحى كل هذه الخرافات ، ويدخل المنهج التجريبي إلى الكيمياء،  ويخترع القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي (Alkali)، وماء الفضة، وهو كذلك صاحب الفضل فيما عرفه الأوربيون عن ملح النشادر وماء الذهب والبوتاس، ومن أهم إسهامات ابن حيان  العلمية ، أنه أدخل عنصرَيْ التجربة والمعمل في الكيمياء وأوصى بدقة البحث والاعتماد على التجربة. فجابر يُعَدُّ من رواد العلوم التطبيقية. وتتجلى إسهاماته في هذا الميدان في تكرير المعادن وتحضير الفولاذ وصبغ الأقمشة ودبغ الجلود وطلاء القماش المانع لتسرب الماء، واستعمال ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج , كما يُعدّ علم الفَلك من العلوم التي اهتمّ جابر بن حيّان بدراستها؛ حيث عرّف الفلك بأنّه شكل الكون الخارجيّ، وجرمُهُ هو الأشياء التي تملأ هذا الشكل، كذلك اهتمّ جابر بن حيّان بدراسة الطبيعة، وتحديداً النباتات، والحيوانات، والحجارة

وقد كان جابر ابن حيان من أول من استعملوا الميزان في قياس مقادير المحاليل المستعملة بتجاربه الكيميائية، حيث كانت عنده وحدات قياس خاصة به، وكان أصغرها هو الحبة التي تبلغ قيمتها نحو 0.05 من الغرام  كما أنه توصَّل بتجاربه إلى حقيقة أن المواد القابلة للاحتراق عندما تشتعل بالنيران تطلق إلى الجوّ الكبريت وتخلِّف وراءها الكلس ، وقد تمكَّن جابر من اختراع نوع مضيء من الحبر، ليساعد على قراءة المخطوطات والرسائل في الظلام. كما اخترع بطلبٍ من الإمام جعفر الصادق نوعاً مضاداً للاحتراق من الورق، حيث كتب بهذا الورق كتاب جعفر الذي وضع في مكتبة دار الحكمة. كذلك اكتشف نوعاً من الطلاء إذا دهن به الحديد يصبح مضاداً للصدأ، وإذا دهنت به الملابس تصبح مضادَّة للبلل بالماء. وقد اكتشف طرقاً لتحضير مركَّبات عديدة، مثل الفولاذ وكربونات الرصاص وكبريتيد الزئبق وحمض الأزوتيك ، وكان أول من استحضر ماء الذهب  ، وأول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بواسطة الأحماض ، ونجح في وضع أول طريقة للتقطير في العالم  ،  فقد اخترع جهاز تقطير ويستخدم فيه جهاز زجاجي له قمع طويل لا يزال يعرف حتى اليوم في الغرب باسم “Alembic” من “الأمبيق” باللغة العربية. وقد تمكن جابر بن حيان من تحسين نوعية زجاج هذه الأداة بمزجه بثاني أكسيد المنجنيز

لم تتوقف إنجازات ابن حيان على التجارب المعملية فقط بل تعود شهرة جابر بن حيان إلى مؤلفاته العديدة، حيث ترك جابر أكثر من مائة من المؤلفات منها أكثر من عشرين  كتاباً في الكيمياء، وأشهرها  كتاب ”  السموم ودفع مضارها وهو من أشهر كُتب جابر بن حيّان، الخواص الكبير والحديد وهو كتاب عن طريقة إستخراج معدن الحديد  من أصوله الأولى كذلك ” كتاب الرسائل السبعين“وهو أشهر كتبه ويشتمل على سبعين مقالا يضم خلاصة ما وصلت إليه الكيمياء عند المسلمين في عصره، إلى جانب الكيمياء قدم شروحاً لكتب أرسطو وأفلاطون ورسائل في الفلسفة، والتنجيم، والرياضيات، الطب، والموسيقى وكتاب الموازين ، وكتاب الزئبق ، وكتاب الخواص ، وكتاب الحدود ، وكتاب كشف الأسرار ، وكتاب الشمس الأكبر ، وكتاب القمر الأكبر ، وكتاب الأرض  وكتاب خواص أكسير الذهب ، وقد ترجمت بعض كتب جابر إلى اللغة اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر، كما ترجم بعضها من اللاتينية إلى الإنجليزية . وظل الأوربيون يعتمدون على كتبه لعدة قرون، وقد كان لها أثر كبير في تطوير الكيمياء الحديثة. وفى هذا يقول العلماء أنه يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية ,  كما شهد بذلك كثير من علماء الغرب الذين إعترفوا بأن إن جابر بن حيان هو الذي وضع الأسس العلمية للكيمياء الحديثة والمعاصرة , وأُطلقت عليه العديد من الألقاب، منها “الأستاذ الكبير” و”شيخ الكيميائيين المسلمين” و”أبو الكيمياء” و”القديس السامي التصوف” و”ملك الهند”

وتوفي جابر بن حيان وقد جاوز التسعين من عمره في الكوفة بعدما فر إليها بعد نكبة البرامكة، وسجن في الكوفة وظل في السجن حتى وفاته سنة 197هـ , فرحم الله العالم الكبير ,وجزاه خيراً على ما قدمه للإنسانية من خدمات جليلة

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares