فان جوخ | الفنان العبقري – قتله الجنون والفقر فلم يري لوحاته تباع بالملايين

17499843_10154656247032669_982996953_o

فان جوخ اسم عظيمً في عالم الفن التشكيلي فهو الفنان الذي استطاع أن يحظى باحترام و تقدير وإعجاب مؤرخي و نقاد و عشاق الفن التشكيلي في كافة أرجاء العالم

مما جعل أعماله تحتل مكاناً بارزاً ومتميزاً في متاحف العديد من الدول

ولكن وراء كل هذه العبقرية حياة بائسة عاشها فان جوخ وحيداً شريداً بلا أصدقاء ولا احباء حتى انتهى به الحال إلى مصحة للأمراض العقلية , فلم يشهد لوحاته وهى تباع بملايين الدولارات بعد ان كان لا يجد قوت يومه

ولد “فان جوخ” في بلدة ” زونديت ” بهولندا عام 1853 لأب عمل قسيساً بكنيسة البلدة، وهو الأب الذي زرع في أعماق هذا الصغير من خلال الجو الديني الصارم الذي أحاط بالأسرة مثلاً علياً ربما كانت تصطدم كثيراً جداً بالواقع طوال حياة “فان جوخ”

عندما بلغ السادسة عشرة من عمره اصطحبه عمه ليعمل معه في القاعة التي يديرها والمتخصصة في بيع الأعمال الفنية في باريس ، ومن خلال هذا العمل تعرف فان جوخ على عالم الفن وتحمس لبعض الأعمال ولبعض الفنانين، و لهذا بذل جهده في إقناع عملائه بشراء أعمال هؤلاء الفنانين وبلغ من نجاحه أن قررت المؤسسة نقله إلى لندن ليدير فرعها هناك

و استمر هذا النجاح الذي صاحبه اهتمام ” فان” بمظهره وأناقته الشخصية إلى أن أحب إحدى الفتيات وتدعي ” أرسيولا ” ولكنه عندما طلب منها الزواج هزأت به وصدته في خشونة شديدة مما جعله يصاب بما يشبه الهوس الديني، فبدلاً من أن يناقش العملاء عن جماليات اللوحات المعروضة بالقاعة التي يديرها أخذ يحثهم علي الدين مما جعل الشركة تعيده إلى باريس حيث تدهورت حالته النفسية وانطوى على نفسه وأصابته الكآبة

 

220px-Van_Gogh_Age_19

و قبل أن تقرر الشركة فصله كان قد قدم استقالته عازماً على تكريس حياته للخدمة الدينية بعد أن اتجه إلى لندن ليعمل كمدرس للغة الفرنسية، و لكن جو لندن المظلم الكئيب و ذكريات جرحه العاطفي جعلت حالته النفسية تزداد سوءاً فعاد إلى هولندا حيث التحق بمعهد لاهوتي في “أمستردام” و عكف على الدراسة الجادة ستة أشهر حتى أصابه الملل وقرر أن يعمل واعظاً بين عمال المناجم والفلاحين في إحدى قري بلجيكا , حيث عايش المرضى بحمي التيفود وحاول تخفيف آلام الاحتضار عليهم، وسهر مع الفقراء و الجرحى، متخطياً بذلك الحدود المرسومة له كمبعوث ديني إلى نوع من الامتزاج والتوحد الكلي، حيث يقضي أيامه ولياليه بين هؤلاء لا يأكل إلا معهم , مما زاد من تعلق هؤلاء العمال به حتى طردته السلطات الدينية قبل أن يمر عام واحد على تسلمه لهذا العمل، و ذلك لعدم اقتناعهم بطريقته في تطبيق التعاليم المسيحية على هذا النحو

وهو الأمر الذي زاد من أزمته النفسية حيث شعر بالفشل في كل ما أسند أليه من أعمال بجانب فشله في حبه، ولكنه قرر ألا يستسلم.. فما لبث أن كتب لأخيه ” تيو ” ليقول له ” أنني بالرغم من كل شيء سوف أنهض ثانية سوف أتناول من جديد ريشتي التي تخليت عنها في أيام انكساري، و سأعود للرسم”

ومنذ ذلك الحين آمن ” تيو “بأخيه فان جوخ وسنح له الفرصة ليخرج أعظم الأعمال الفنية

حيث لم ينقطع تيو طيلة السنوات العشر التالية عن بذل المعونة المالية لأخيه و تشجيعه و مساعدته بكل ما استطاع توفيره من دخله المتواضع

و ببلوغ ” فان جوخ  السابعة والعشرين من عمره التحق بأكاديمية الفنون في مدينة ” انفري “حيث بدأ حياته في عالم الألوان

عكف على رسم الفلاحين الهولنديين و عمال المناجم والبؤساء مسجلاً ما نقش في مخيلته من ذكريات في مجموعة من اللوحات الحزينة القاتمة القوية التعبير , وهي المرحلة التي يطلق عليها في فنه “المرحلة الهولندية” التي امتدت ما بين عامي , و في العام التالي رحل ” فان جوخ” إلى باريس للإقامة مع أخيه في أستوديو حيث كان أخوه من تجار الصور

Vincent_Van_Gogh_-_The_Potato_Eaters

هذا الفنان العبقري لم يكن يرسم فقط ، بل كان يكتب أيضا بنفس الحرارة والتوهج كمًا هائلا من الرسائل والخواطر إلى شقيقه ( تيو ) والتي جُمعت في كتاب من ثلاثة مجلدات تضمنت آرائه في الرسم وفي النقد والمجتمع و المرأة وعن نفسه

و سعد “فان جوخ” كثيراً بصحبة أخيه بعد ما قاساه من وحشة وحرمان و كذلك سعد بحياته الجديدة في باريس .. فما لبث أن تغيرت ألوانه القاتمة و حلت محلها الألوان الزاهية البراقة التي ربما عكست رؤيته للحياة في تلك الفترة، والتي اتجه فيها إلى دراسة النظريات والأساليب الفنية الجديدة و مناقشتها مع أصحابها بل وتجربتها في لوحاته، كما تعرف خلال هذه الفترة على عدد من الفنانين الشباب ومنهم ” تولوزلوتريك” و ” بول جو جان” .كما تأثرت لوحاته بالرسوم اليابانية المطبوعة

 

220px-Van_Gogh_Vase_with_Fifteen_Sunflowers_Amsterdam

و بعد مضي عام آخر كان قد استوعب كل ما حوله من تجارب ليصبح مهيئاً لمرحلة ناضجة استغرقت بقية حياته

و في هذه المرحلة دعا ” بول جوجان” إلى الإقامة معه وهو يحلم بإنشاء رابطة للفنانين وبأن يكون منزله هو نواة تحقيق هذا الحلم .. إلا أن وصول “جوجان”أعقبته المتاعب، فالمناقشات احتدمت والخلاف في الرأي اتسع وأدي إلى توتر أعصاب ” فان جوخ” ليحدث بينهما اكثر من مشاجرة ليرحل “جوجان” تاركاً ” فان جوخ” التي ظلت حالات الهياج الجنوني تعاوده من حين لآخر حتى قام في إحداها بقطع آذنه و ربط رأسه المصاب ثم قدم الأذن المقطوعة في لفافة إلى محبوبته التي طلبت منه أذنه خلال إحدى مداعباتها له

 

تنزيل

 

وعندما عاد إلي بيته أغمي عليه و لم يفق إلا في المستشفي، و عندما استرد صحته طاردته أنظار أهل البلدة و صيحات أطفالها.. فانهارت أعصابه

و لم يجد أخوه حلاً غير نقله إلى مستشفي للأمراض العقلية بالقرب من ” أرل”، وهي المستشفي التي مكث فيها عام، و سمح له بالرسم فيها فظهر في لوحاته بهذه المرحلة شيء من عنف نوبات الصرع التي تعرض لها و عندما نجح أخوه في بيع إحدى لوحاته بمبلغ 400 فرنك , اقترح أن يستخدم هذا المبلغ في الاستشفاء بمصحة خاصة قرب باريس يشرف عليها طبيب يدعي “دكتور جاشيت” و هو من هواة الفن، و قد أمضي هذا الطبيب أوقاتاً طويلة في صحبته، و لكن نوبات الصرع راحت تتوالى بانتظام فسئم جوخ الحياة فترك رسالة إنتحاره وخرج إلى حقل مجاور وأطلق على نفسه الرصاص و لكنه لم يمت على الفور حيث نقله ” تيو ” إلى المستشفي التي مات بها بعد يومين وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره بعد أن رسم أكثر من 700 لوحة وحوالي 1000 رسمة

مات معدما، هزيلا، نحيلا، مهووسا، بعد أن طارده مرض الحُب وقذف به إلى مصحة عقلية، مات فان جوخ ليبدأ العالم بعدها بسنوات بتذكره بأعماله

الآن لوحاته تقدر بملايين الدولارات وهو كان يعيش أياما بأكملها على رغيف خبز واحد

لتنتهى بذلك سيرة من كانت عباراته لاتقل براقة ولمعاناً عن لوحاته فقد كان يردد دائما

“إنني أحتاج الأقارب والأصدقاء كأيّ أحد آخر، أحتاج الحبّ والوصال الحميم لست صخرةً ولست من حديد كصنبور أو عمود إنارة  أنا أضع قلبي وروحي في عملي، وقد فقدت عقلي بسبب ذلك”

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares