مارجريت ميتشيل | عبقرية “ذهب مع الريح” – رواية واحدة تكفي لتبهر العالم !

 

 

كما توجد فترات استثنائية في التاريخ، فكذلك أيضا هناك أشخاص استثنائيون، من بين هؤلاء من كتبوا رواية واحدة فقط ولكنها أبهرت العالم ثم اختفوا الى الابد , فكانوا كأنهم شهاب لامع اضاء العالم لثواني معدودة ثم اختفى بلا عودة ، كأنهم من عالم أخر غير عالمنا  جاءوا ليمتعونا ويؤثروا بنا  ثم يرحلون سريعاً  ،  من بين هؤلاء الكاتبة الروائية مارجريت ميتشيل التي كتبت رواية واحدة فقط خلدها التاريخ , وجعلها واحدة من روائع الأعمال الأدبية على الأطلاق  !

 

صورة ذات صلة

 

ولدت ميتشل في 8 نوفمبر بمدينة أتلانتا بالولايات المتحدة الأمريكية 1900 ، وكانت العائلة تضم العديد من الجنود السابقين الذين قاتلوا في الحرب الأهلية وكانت ميتشل في طفولتها منبهرة بقصص الحرب التي كان يقصها عليها اقرباءها ، وصادفت ميتشل مشاكل في المدرسة في المرحلة الابتدائية بسبب كرهها لمادة الرياضيات التي وجدتها مادة معقدة وجعلتها تكره الذهاب للمدرسة , وكانت والدتها تجبرها وتقودها إلى المدرسة رغما عنها , وبالرغم من كرهها للمدرسة ألا أنها كانت مولعة بتأليف الروايات والقصص منذ الطفولة، ومن شدة شغفها بهذا الأمر صممت كتاب مغامرات خاص صنعت غلافه من الورق المقوى حتى أنها كانت تؤلف عدد من القصص والمسرحيات أثناء دراستها .

 

صورة ذات صلة

 

 في عام 1918، التحقت ميتشل بكلية سميث بولاية ماساتشوستس وتمت خطوبتها على أحد شباب مدينتها وكان اسمه كليفورد هينري الذي التحق بالجيش الأمريكي في الحرب العالمية الأولى ولقي مصرعه في إحدى المعارك في فرنسا في نفس العام  ، بعد عام من مقتل خطيبها توفيت والدتها أثناء وباء الإنفلونزا الاسبانية الذى اجتاح العالم عام 1919 , أصبحت ميتشل ربة البيت والمسؤولة عن رعاية والدها. في عام 1922 كان هناك رجلان في حياة ميتشل يتنافسان على كسب ودها، أحدهما كان لاعب كرة قدم سابق وصاحب مشاكل عديدة مع القانون واسمه بيرين أبشو Berrien Kinnard Upshaw  والثاني كان صحفياً متزناً واسمه جون مارش.

اختارت ميتشل المشاغب أبشو  وتزوجت به عام 1922 ولكن ابشو لم يكن من النوع الملتزم وكان ينتقل من وظيفة إلى أخرى ولم يكن له مصدر دخل ثابت ، إضطرت ميتشل إلى الاعتماد على نفسها , ومن المفارقات في حياتها ان الرجل الثاني جون مارش الصحفي الذي رفضته ميتشل في السابق وفر لها عملا في صحيفته براتب 25 دولار في الأسبوع , وبالفعل كتبت مارجريت حوالى 130 مقالاً بالصحيفة .

 

صورة ذات صلة

 

انتهى زواج ميتشل من بيرين ابشو بالطلاق بعد أن غادر الى الغرب الأوسط ولم يعد مرة أخرى , وكان ذلك بعد أربعة أشهر فقط من زواجهما وفي عام 1925 تزوجت ميتشل  للمرة الثانية من  جون مارش  ، عام 1926 طرأ حادث غريب قلب حياة مارجريت رأساً على عقب , حيث أصيبت بكسر في الكاحل جعلها  تلزم البيت في معظم الأوقات فإعتزلت عملها الصحفى ، وأخذت تسري عن نفسها بتنفيذ مشروع روائي ضخم يصور أحداث الحرب الأهلية بين ولايات الشمال والجنوب. وقد استدعى ذلك منها قراءة مستفيضة جداً في المراجع التاريخية والاجتماعية، ووجدت في ذلك الجو العاصف من الوقائع والعواطف مهرباً من حياة الركود والملل وآلام المرض وأوجاعه. وقضت في كتابة فصول الرواية ما بين سنة 1930، 1936.  وكانت تتابع الشخصيات وتكتب الأحداث على غير نظام متسلسل،  وبدأت بكتابة الفصل الأخير من الرواية، وانتقلت بعدها إلى تأليف بقية الفصول. ولم تكن تحلم بنشر هذا العمل الضخم ،الا أن دار نشر ماكميلان عرضت عليها 500 دولار مقابل حقوق نشر روايتها و10% من أرباح الرواية ،  وما أن نشرت الرواية حتى اعتبرت حدثاً أدبياً مهماَ ، وعند صدورها وصل حجم مبيعاتها إلى 50 ألف نسخة في يوم واحد   ، وبيع من طبعتها الغالية أكثر من  30 مليون نسخة في مختلف أرجاء العالم في ستة أشهر فقط ، ومنحت جوائز عدة أدبية ومنها جائزة بليتزر وأخرجتها السينما بفيلم يحمل نفس اسم الرواية ) ذهب مع الريح(   صدر الفيلم عام 1939  وحقق أعلى أرباح في تاريخ هوليوود، وأحرز الرقم القياسي بفوزه بثماني جوائز أوسكار، وجائزتي أوسكار خاصة .، وترجمت الرواية إلى معظم لغات العالم. واعتبرها الأمريكيون أشهر رواية في أدبهم في القرن العشرين

في الحرب العالمية الثانية تطوعت ميتشل للعمل مع منظمة الصليب الأحمر الأمريكية وركزت نشاطها في إيصال الأمدادات الغذائية والطبية لبلدة فيموتييه : Vimoutiers) في فرنسا , وحصلت نتيجة لجهودها على لقب المواطنة الفخرية لتلك البلدة الفرنسية في عام 1949. وبالتالي لم يكن لديها متسع من الوقت للعودة للكتابة والتأليف مجدداً , كما رفضت ميتشل عروض عديدة ومغرية لكتابة جزء ثاني من تلك الرواية  , و في 16 اغسطس 1949 تعرضت مارغريت ميتشل إلى حادث سيارة عندما كانت تعبر الشارع وتوفيت في المستشفى بعد خمسة أيام متأثرة بإصابتها. وقد قيل أن سائق السيارة كان في حالة سكر، وأدين بالقتل غير العمد وتلقى حكماً بالسجن لأربعين عاماً مع الأعمال الشاقة , بالرغم من أن السائق  ذكر أن ميتشل عبرت الشارع دون أن تلتفت إلى السيارات العابرة .

 

صورة ذات صلة

 

توفيت مارغريت عن عمر يناهز 48 عاماً وتم تحويل المنزل الذي كتبت فيه ميتشل رواية ذهب مع الريح إلى متحف. ويقع هذا المنزل في وسط أتلانتا ويحتوي على وثائق وشرائط أصلية لرواية وفيلم ذهب مع الريح مع مقتنيات شخصية لميتشل وفي عام 1980 بعد وفاة مارجريت قام أحفادها بإعطاء الرخصة للكاتبة أليكساندرا ريبلي بأن تكتب الجزء الثاني من الرواية , وتم طبعها عام 1991 وتم تحويلها إلى سلسلة تلفزيونية ولكن الكتاب والعمل التلفزيوني لم يلقيا نجاحا وتجاوباً من القراء والمشاهدين  مثل العمل الأول فائق النجاح .

لم تكن مارغريت تتوقع، حين كتبت روايتها الوحيدة بدافع تمضية الوقت، خلال مرضها الذي ألزمها الفراش، أن يدخل عملها تاريخ روائع الأعمال الأدبية. فقد بلغت  مارجريت بروايتها الوحيدة (ذهب مع الريح)  شهرة لم تصل إليها كاتبة روائية أخرى من قبلها، كما تعتبر روايتها  احد الكتب الأكثر مبيعًا في كل العصور.  لتظل ذهب مع الريح رائعة خالدة من روائع الأدب العالمي , هذه الملحمة التاريخية التى تحكى قصة حب وضياع ، وتصور المأساة الإنسانية التي تحملها الحروب للبشر ، وهكذا يبقى اسم مارغريت ميتشل خالدًا بروايتها الوحيدة “ذهب مع الريح”. الى الأبد !

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares